فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَقْوَالٌ عَنْ السَّلَفِ:
فَأَمَّا الرِّوَايَاتُ فَقَدْ قَدَّمْنَا بَعْضَهَا وَنُعِيدُ مِنْهَا هَاهُنَا الرِّوَايَةَ الْأُولَى:
رَوَى يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُد عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوه، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النُّطْفَةَ إذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ أَخَذَهَا مَلَكٌ بِكَفِّهِ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ؟ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ مَا الْأَجَلُ؟ مَا الْأَثَرُ؟ وَبِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ؟ قَالَ دَاوُد: وَشُكِّلَتْ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ، فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ إلَى أُمِّ الْكِتَابِ، فَإِنَّك تَجِدُ فِيهَا قِصَّةَ هَذِهِ النُّطْفَةِ، فَيَنْطَلِقُ فَيَجِدُ قِصَّتَهَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ تَتَخَلَّقُ فَتَأْكُلُ رِزْقَهَا، وَتَطَأُ أَثَرَهَا، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهَا قُبِضَتْ فَدُفِنَتْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي قُدِّرَ لَهَا، ثُمَّ قَرَأَ عَامِرٌ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} .
الثَّانِيَةُ: مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ دَاوُد بِمِثْلِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إذَا اسْتَقَرَّتْ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ أَدَارَهَا مَلَكٌ بِكَفِّهِ، وَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ؟ قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ قَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا، وَإِنْ كَانَتْ مُخَلَّقَةً قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ مَا الرِّزْقُ؟ مَا الْأَثَرُ؟ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ؟
وَآثَارُ السَّلَفِ أَرْبَعَةٌ:
الْأَوَّلُ: قَالَ عَامِرٌ فِي النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ: فَإِذَا انْتَكَسَتْ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ كَانَتْ نَسَمَةً مُخَلَّقَةً، وَإِذَا قَذَفَتْهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ.
الثَّانِي: قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ: السَّقْطُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ.
الثَّالِثُ: قَالَ قَتَادَةُ: تَامَّةٌ وَغَيْرُ تَامَّةٍ.
الرَّابِعُ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُخَلَّقَةُ الَّتِي خَلَقَ فِيهَا الرَّأْسَ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. وَغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ الَّتِي لَمْ يَخْلُقْ فِيهَا شَيْئًا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: إنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّقْطِ، وَيَقُولُ: سَمُّوهُمْ وَاغْسِلُوهُمْ، وَكَفِّنُوهُمْ وَحَنِّطُوهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ بِالْإِسْلَامِ صَغِيرَكُمْ وَكَبِيرَكُمْ، وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ: {فإنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} ، لَمْ يَسْتَتِمَّ سَائِرُ خَلْقِهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَلْقًا تَامًّا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إذَا رَجَعْنَا إلَى أَصْلِ الِاشْتِقَاقِ فَإِنَّ النُّطْفَةَ وَالْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ مُخَلَّقَةٌ؛ لِأَنَّ