مِنَ الأَلْفَاظِ الْمُشْكِلَةِ؛ فَإِنَّ النَّيْلَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَارِئِ سُبْحَانَهُ، وَلَكِنْ عَبَّرَ بِهِ تَعْبِيرًا مَجَازِيًّا عَنْ الْقَبُولِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا نَالَ الْإِنْسَانَ مُوَافِقٌ أَوْ مُخَالِفٌ؛ فَإِنْ نَالَهُ مُوَافِقٌ قَبِلَهُ، أَوْ مُخَالِفٌ كَرِهَهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْأَفْعَالِ بَدَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ مَالِيَّةً بِالْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ إذْ لَا يُخْتَلَفُ فِي حَقِّهِ إلَّا بِمُقْتَضَى نَهْيِهِ وَأَمْرِهِ، وَإِنَّمَا مَرَاتِبُهَا الْإِخْلَاصُ فِيهَا وَالتَّقْوَى مِنْهَا.
وَلِذَلِكَ قَالَ: لَنْ يَصِلَ إلَى اللَّهِ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا، وَإِنَّمَا يَصِلُ إلَيْهِ التَّقْوَى مِنْكُمْ، فَيَقْبَلُهُ وَيَرْفَعُهُ إلَيْهِ وَيَسْمَعُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} .
امْتَنَّ عَلَيْنَا سُبْحَانَهُ بِتَذْلِيلِهَا لَنَا وَتَمْكِينِنَا مِنْ تَصْرِيفِهَا، وَهِيَ أَعْظَمُ مِنَّا أَبْدَانًا، وَأَقْوَى أَعْضَاءً، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ الْأُمُورَ لَيْسَتْ عَلَى مَا تَظْهَرُ إلَى الْعَبْدِ مِنَ التَّدْبِيرِ وَإِنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ مَا يُدَبِّرُهَا1 الْعَزِيزُ الْقَدِيرُ، فَيَغْلِبُ الصَّغِيرُ الْكَبِيرَ، لِيَعْلَمَ الْخَلْقُ أَنَّ الْغَالِبَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تعالى: {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} .
ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اسْمَهُ عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا فَقَالَ: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} ، وَذَكَرَ هَاهُنَا التَّكْبِيرَ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجْمَعُ بَيْنَهَا إذَا نَحَرَ هَدْيَهُ، فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. وَهَذَا مِنْ فِقْهِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ وَالتَّكْبِيرُ عِنْدَ الْإِحْلَالِ بَدَلًا مِنَ التَّلْبِيَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ أَفْقَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
1 في"القرطبي": ما يريدها.