فهرس الكتاب

الصفحة 1601 من 2471

أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ، إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} .

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَعَرَفْت أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ؛ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.

الثَّانِي: قَالَ مُجَاهِدٌ: الْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ، نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مُهَاجِرِينَ، وَكَانُوا يُمْنَعُونَ، فَأَذِنَ اللَّهُ فِي قِتَالِهِمْ، وَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ.

الثَّالِثُ: قَالَ الضَّحَّاكُ: اسْتَأْذَنَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ، فَقِيلَ: {إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38] فَلَمَّا هَاجَرَ نَزَلَتْ: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} ، وَهَذَا نَاسِخٌ لِكُلِّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ إعْرَاضٍ وَتَرْكٍ وَصَفْحٍ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي قِسْمِ النَّسْخِ الثَّانِي مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَعْنَى {أُذِنَ} أُبِيحَ، فَإِنَّهُ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ لِإِبَاحَةِ كُلِّ مَمْنُوعٍ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ مِنَ الشَّرْعِ، وَأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ قَبْلَ الشَّرْعِ، لَا إبَاحَةً وَلَا حَظْرًا إلَّا مَا حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ، وَبَيَّنَهُ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي"أُصُولِ الْفِقْهِ"أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ كَانَ بَعَثَ رَسُولَهُ وَدَعَا قَوْمَهُ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَصَرَّفُوا إلَّا بِأَمْرٍ، وَلَا فَعَلُوا إلَّا بِإِذْنٍ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: بَيَّنَّا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحُجَّةِ دَعَا قَوْمَهُ إلَى اللَّهِ دُعَاءً دَائِمًا عَشَرَةَ أَعْوَامٍ، لِإِقَامَةِ حُجَّةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَوَفَاءً بِوَعْدِهِ الَّذِي امْتَنَّ بِهِ بِفَضْلِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وَاسْتَمَرَّ النَّاسُ فِي الطُّغْيَانِ، وَمَا اسْتَدَلُّوا بِوَاضِحِ الْبُرْهَانِ، وَحِينَ أَعْذَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ إلَى الْخَلْقِ، وَأَبَوْا عَنْ الصِّدْقِ أَمَرَ رَسُولَهُ بِالْقِتَالِ، لِيَسْتَخْرِجَ الْإِقْرَارَ بِالْحَقِّ مِنْهُمْ بِالسَّيْفِ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قُرِئَ"يُقَاتِلُونَ"بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا، فَإِنْ كَسَرْت التَّاءَ كَانَ خَبَرًا عَنْ فِعْلِ الْمَأْذُونِ1 لَهُمْ، وَإِنْ فَتَحْتَهَا كَانَ خَبَرًا عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِمْ بِهِمْ2، وَإِنَّ الْإِذْنَ وَقَعَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَهُمْ، فَفِي فَتْحِ التَّاءِ بَيَانُ سَبَبِ الْقِتَالِ، وَقَدْ كَانَ الْكُفَّارُ يَتَعَمَّدُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنِينَ بِالْإِذَايَةِ، وَيُعَامِلُونَهُمْ بِالنِّكَايَةِ: لَقَدْ خَنَقَهُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى كَادَتْ نَفْسُهُ تَذْهَبُ، فَتَدَارَكَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ} [غافر: 28] وَقَدْ بَلَغَ بِأَصْحَابِهِ إلَى الْمَوْتِ؛ فَقَدْ قَتَلَ أَبُو جَهْلٍ سُمَيَّةَ أُمَّ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ. وَقَدْ عُذِّبَ بِلَالٌ، وَمَا بَعْدَ هَذَا إلَّا الِانْتِصَارُ بِالْقِتَالِ.

1 أي يقاتلون عدوهم"القرطبي".

2 أي يقاتلهم المشركون، وهم المؤمنون"القرطبي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت