فهرس الكتاب

الصفحة 1616 من 2471

وَحَقِيقَتُهُ السُّكُونُ عَلَى حَالَةِ الْإِقْبَالِ الَّتِي تَأَهَّبَ لَهَا وَاحْتَرَمَ بِهَا بِالسِّرِّ فِي الضَّمِيرِ، وَبِالْجَوَارِحِ فِي الظَّاهِرِ؛ فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ خَاشِعًا خَاضِعًا، وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ، وَكَذَلِكَ كَانَ حَفِيدُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ لِعُرْوَةِ: لَوْ رَأَيْت قِيَامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ يَعْنِي أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ فِي الصَّلَاةِ لَقُلْت: غُصْنٌ تَصْفِقُهُ الرِّيَاحُ، وَحِجَارَةُ الْمَنْجَنِيقِ تَقَعُ هَاهُنَا، وَرَضْفٌ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذَا قَامَ يُصَلِّي كَأَنَّهُ عُودٌ مِنَ الخُشُوعِ.

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُصَلِّي فِي الْحِجْرِ مُرْخِيًا ثِيَابَهُ. فَجَاءَ حَجَرُ الْخَذَّافِ، فَذَهَبَ بِطَائِفَةٍ مِنْ ثَوْبِهِ، فَمَا الْتَفَتَ، وَكَذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إذَا صَلَّى لَا يَتَحَرَّكُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَهِيَ:

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إنَّهُ يَضَعُ بَصَرَهُ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالصُّوفِيَّةُ بِأَسْرِهِمْ، فَإِنَّهُ أَحْضَرُ لِقَلْبِهِ، وَأَجْمَعُ لِفِكْرِهِ.

قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا يَنْظُرُ أَمَامَهُ، فَإِنَّهُ إنْ حَنَى رَأْسَهُ ذَهَبَ بَعْضُ الْقِيَامِ الْمَنْقُوضِ عَلَيْهِ فِي الرَّأْسِ، وَهُوَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ مِنْهُ، وَإِنْ أَقَامَ رَأْسَهُ وَتَكَلَّفَ النَّظَرَ بِبَصَرِهِ إلَى الْأَرْضِ فَتِلْكَ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ وَحَرَجٌ، يَعْرِفُونَ ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ؛ وَإِنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْجِهَةَ بِبَصَائِرِنَا وَأَبْصَارِنَا، أَمَّا إنَّهُ أَفْضَلُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مَتَى قَدَرَ وَكَيْفَ قَدَرَ، وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ أَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ فِي الصَّلَاةِ إلَى السَّمَاءِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ السَّمَاءَ، وَإِنَّمَا أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْجِهَةَ الْكَعْبِيَّةَ، فَإِذَا رَفَعَ بَصَرَهُ فَهُوَ إعْرَاضٌ عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم1:"لِيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ"وَهِيَ:

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: حَتَّى قَالَ عُلَمَاؤُنَا حِينَ رَأَوْا عَامَّةَ الْخَلْقِ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ سَالِمَةٌ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْخَطْفِ هَاهُنَا أَخْذُهَا عَنْ الِاعْتِبَارِ حِينَ يَمُرُّ بِآيَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ مُعْرِضٌ، وَذَلِكَ أَشَدُّ الْخَطْفِ، وَمِنْ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ بِرَفْعِ الْحَرَجِ الْإِذْنُ فِي أَنْ يَلْحَظَ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي بِبَصَرِهِ وَرَأْسِهِ دُونَ بَدَنِهِ، أَذِنَ الشَّرْعُ فِيهِ، وَهِيَ:

1 صحيح مسلم: 321.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت