كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمَلَةٌ لَهُمْ، فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إلَّا قَوْلَهُ: {وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} فَإِنَّهُ خِطَابٌ لِلرِّجَالِ خَاصَّةً دُونَ النِّسَاءِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6] ، وَلَا إبَاحَةَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَبَيْنَ مِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْفَرْجِ؛ وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أُخَرَ، كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَدِلَّةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْت حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ1، فَتَلَا هَذِهِ: {وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ} [المؤمنون: 7] .
وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ يَكْنُونَ عَنْ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إذَا حَلَلْت بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ
فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجٌ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ المَنِيِّ.
وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ البَدَنِ؛ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ.
وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُدَانَ اللَّهُ إلَّا بِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قِيلَ: إنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ.
قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنَّ الِاسْتِمْنَاءَ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ، فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ قَوْمٌ: هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الْفَرْجَ إلَّا بِالنِّكَاحِ أَوْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَالْمُتَمَتِّعَةُ لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ، وَهَذَا يَضْعُفُ.
فَإِنَّا لَوْ قُلْنَا: إنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجَةِ.
1 عميرة: اسم لعضو الرجل. وجلد عميرة: هو الحصول على النشوة بواسطة اليد.