الْخَيْرَاتِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى الْعِصْيَانِ مُتَمَادِيًا فِي الْخِلَافِ مُسْتَمِرًّا، فَكَيْفَ يُوصَفُ بِأَنَّهُ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ أَوْ بِالْخَشْيَةِ لِرَبِّهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِيهِ.
أَمَّا إنَّ الَّذِي يَأْتِي الْمَعْصِيَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: الَّذِي يَأْتِيهَا وَيَخَافُ الْعَذَابَ فَهَذَا هُوَ الْمُذْنِبُ.
وَاَلَّذِي يَأْتِيهَا آمِنًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ غَلَبَةِ الرَّجَاءِ عَلَيْهِ فَهُوَ الْمَغْرُورُ، وَالْمَغْرُورُ فِي حِزْبِ الشَّيْطَانِ.
وَإِنْ أَتَاهَا شَاكًّا فِي الْعَذَابِ فَهُوَ مُلْحِدٌ لَا مَغْفِرَةَ لَهُ.
وَلِأَجْلِ إشْكَالِ قَوْلِهِ: {يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِهِ إنْفَاقَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ إلَيْهِ صَلَاحِيَةُ لَفْظِ الْعَطَاءِ إلَّا فِي الْمَالِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ الْعَطَاءِ يَنْطَلِقُ فِي كُلِّ مَعْنًى: مَالٍ وَغَيْرِهِ، وَفِي كُلِّ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، وَاتَّضَحَتْ الْآيَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} :
هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ مِنْ صَلَاةٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَادَاتِ، هُوَ الْأَفْضَلُ، وَمَدْحُ الْبَارِي أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى صِفَةِ الْفَضْلِ فِي الْمَمْدُوحِ عَلَى غَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ مُتَقَدِّمَةٍ.