وَاسْتَيْنِ مَكْشُوفَيْنِ، وَسَمِعْت حَفَزَانًا شَدِيدًا. قَالَ: هَلْ رَأَيْت1 كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ الْمَرْأَةَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أُشَبِّهُهَا. قَالَ لَهُ: تَنَحَّ. وَأَمَرَ بِالثَّلَاثَةِ فَجُلِدُوا الْحَدَّ، وَقَرَأَ: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكَاذِبُونَ} [النور: 13] .
قَالَ الْمُغِيرَةُ: اشْفِنِي مِنَ الأَعْبُدِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ لَهُ: اُسْكُتْ، أَسْكَتَ اللَّهُ نَأْمَتَك2، أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ لَرَجَمْتُكَ بِأَحْجَارِكَ.
وَرَدَّ عُمَرُ شَهَادَةَ أَبِي بَكْرَةَ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: تُبْ أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ، فَيَأْبَى3 حَتَّى كَتَبَ عَهْدَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ: هَذَا مَا عَهِدَ بِهِ أَبُو بَكْرَةَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ4، وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ زَنَى بِجَارِيَةِ بَنِي فُلَانٍ. وَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ حِينَ لَمْ يَفْضَحْ الْمُغِيرَةَ.
وَرُوِيَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ لَمَّا أَدَّوْا الشَّهَادَةَ عَلَى الْمُغِيرَةِ، وَتَقَدَّمَ زِيَادٌ آخِرُهُمْ قَالَ لَهُ عُمَرُ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ: إنِّي لَأَرَاك حَسَنَ الْوَجْهِ. وَإِنِّي لَأَرْجُو أَلَّا يَفْضَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْك رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. فَقَالَ مَا قَالَ. وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلُ ظُهُورِ زِيَادٍ، فَلَيْتَهُ وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا زَادَ، وَلَكِنَّهُ اسْتَمَرَّ حَتَّى خَتَمَ الْحَالَ بِغَايَةِ الْفَسَادِ. وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ5 قَضَاءً ظَاهِرًا فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْقَذَفَةِ، إذَا لَمْ تَتِمَّ شَهَادَتُهُمْ؛ وَفِي قَبُولِهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي"مَسَائِلِ الْخِلَافِ"و"َالْأُصُولِ".
وَتَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِهِ: {إلَّا الَّذِينَ تَابُوا} ، وَقَالُوا: إنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، مَا عَدَا إقَامَةِ الْحَدِّ، فَإِنَّهُ سَقَطَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ. وَالصَّحِيحُ رُجُوعُهُ إلَى الْجَمِيعِ لُغَةً وَشَرِيعَةً، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تعالى: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 33، 34] وَهَذِهِ الْآيَةُ أُخْتُهَا وَنَظِيرَتُهَا فِي الْمَقْصُودِ.
وَأَمَّا قَبُولُ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْحَدِّ؛ فَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَحَالُهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْكَذِبِ السَّالِبِ
1في م: رأيته.
2 النامة: النغمة والصوت. ويقال: أسكت الله نأمته أي أماته"القاموس".
3في أ: فيأتي
4.في م: عبده ورسوله.
5في أ: من غير.