فَحَسُنَ الْجِدَالُ، وَنَقَلَ إلَى أَبَيْنَ مِنْهُ بِالِاسْتِدْلَالِ. وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ. وَهُوَ انْتِقَالٌ مِنْ حَقٍّ إلَى حَقٍّ أَظْهَرَ مِنْهُ، وَمِنْ دَلِيلٍ إلَى دَلِيلٍ أَبْيَنَ مِنْهُ وَأَنْوَرَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: أَهْلُ الْحَرْبِ.
الثَّانِي: مَانِعُو الْجِزْيَةِ.
الثَّالِثُ: مَنْ بَقِيَ عَلَى الْمُعَانَدَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الْحُجَّةِ.
الرَّابِعُ: الَّذِينَ ظَلَمُوا فِي جِدَالِهِمْ، بِأَنْ خَلَطُوا فِي إبْطَالِهِمْ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ مُرَدَّدَةٌ، وَقَدْ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُجَادَلَاتٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَمَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَآيَاتُ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ أَثْبَتُ فِي الْمَعْنَى.
وَقَدْ قَالَ لِلْيَهُودِ: {إنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 94-95] . فَمَا أَجَابُوا جَوَابًا.
وَقَالَ لَهُمْ: {إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} [آل عمران: 59] . أَيْ: إنْ كُنْتُمْ أَبْعَدْتُمْ وَلَدًا بِغَيْرِ أَبٍ فَخُذُوا وَلَدًا دُونَ أَبٍ وَلَا أُمٍّ.
وَقَالَ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} [آل عمران: 64] .
وَقَالَ: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} [المائدة: 18] .
وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي حُصَيْنٍ:"يَا حُصَيْنُ؛ كَمْ إلَهًا تَعْبُدُ الْيَوْمَ؟"، قَالَ: إنِّي أَعْبُدُ سَبْعَةً، وَاحِدًا فِي السَّمَاءِ، وَسِتًّا فِي الْأَرْضِ: قَالَ:"فَأَيُّهُمْ تُعِدُّ لِرَغْبَتِك وَرَهْبَتِك"، قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ:"يَا حُصَيْنُ، أَمَا إنَّك إنْ أَسْلَمْت عَلَّمْتُك". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.