الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّك} :
يَعْنِي لَا تُمِلْهُ عَنْهُمْ تَكَبُّرًا، يُرِيدُ أَقْبِلْ عَلَيْهِمْ مُتَوَاضِعًا، مُؤْنِسًا مُسْتَأْنِسًا، وَإِذَا حَدَّثَك أَحَدُهُمْ فَأَصْغِ إلَيْهِ، حَتَّى يُكْمِلَ حَدِيثَهُ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وَقَالَ الشَّاعِر1:
وَكُنَّا إذَا الْجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ
أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَتَقَوَّمَ
يُرِيدُ: فَتَقَوَّمْ أَنْتَ، أَمْرٌ، ثُمَّ كُسِرَتْ لِلْقَافِيَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ سُبْحَانَ [37] 2.
وفي الحديث الصَّحِيحِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ3:"بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي بُرْدَيْهِ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ، وَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
وَعَنْهُ، صَحِيحًا:"الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
وَعَنْهُ مِثْلُهُ:"لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا".
وَعَنْهُ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْإِزَارِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَنَا أُخْبِرُكُمْ بِعِلْمٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"إزْرَةُ4 الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ".
قَالَ الْقَاضِي: رُوِيَ أَنَّ الْمُخْتَالَ هُوَ قَارُونُ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَعْصُومَةٌ مِنَ الخَسْفِ.
وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ، وَفِي صَحِيحِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ سَيُخْسَفُ بِجَيْشٍ فِي الْبَيْدَاءِ يَقْصِدُ الْبَيْتَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي"شَرْحِ الْحَدِيثِ"، أَمَا إنَّهُ يَتَبَخْتَرُ فَلَمْ5 تُخْسَفْ بِهِ الْأَرْضُ حَقِيقَةً خُسِفَ بِهِ فِي الْعَمَلِ مَجَازًا، فَلَمْ يَرْقَ لَهُ عَمَلٌ إلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ أَشَدُّ الْخَسْفِ.
1 البيت لعمرو بن حني التغلبي كما في القرطبي. وفي"اللسان"نسب للمتلمس، وروى فيه: فتقوما - [صعر] .
2 صفحة [168] .
3"صحيح مسلم": [1654] .
4 الإزرة -بالكسر: الحالة وهيئة الائتزار"النهاية".
5 في م: أما إن يتبختر فإن لم تخسف .