فهرس الكتاب
َقَدْ بَيَّنَّا الْحِكْمَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَآيَاتُ اللَّهِ حِكْمَتُهُ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ حِكْمَتُهُ، وَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ حِكْمَتُهُ، وَالشَّرْعُ كُلُّهُ حِكْمَتُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَمَرَ اللَّهُ أَزْوَاجَ رَسُولِهِ بِأَنْ يُخْبِرْنَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ القُرْآنِ فِي بُيُوتِهِنَّ، وَمَا يَرَيْنَ مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَقْوَالِهِ فِيهِنَّ، حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ إلَى النَّاسِ، فَيَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ، وَيَقْتَدُوا بِهِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الدِّينِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي هَذَا مَسْأَلَةٌ1 بَدِيعَةٌ؛ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وَتَعْلِيمِ مَا عَلِمَهُ مِنَ الدِّينِ؛ فَكَانَ إذَا قَرَأَهُ عَلَى وَاحِدٍ، أَوْ مَا اتَّفَقَ، سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَعَلَى مَنْ سَمِعَهُ أَنْ يُبَلِّغَهُ إلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَلَا كَانَ عَلَيْهِ إذَا عَلِمَ ذَلِكَ أَزْوَاجُهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى النَّاسِ فَيَقُولَ لَهُمْ: نَزَلَ كَذَا، وَكَانَ كَذَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي"الْأُصُولِ"، و َ"شَرْحِ الْحَدِيثِ"، وَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ لَا يَعْتَدُّ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ ذَلِكَ أَزْوَاجُهُ مَا أُمِرْنَ بِالْإِعْلَامِ بِذَلِكَ، وَلَا فَرَضَ عَلَيْهِنَّ تَبْلِيغَهُ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا بِجَوَازِ قَبُولِ خَبَرِ بُسْرَةَ2 فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّهَا رَوَتْ مَا سَمِعَتْ، وَبَلَّغَتْ مَا وَعَتْ. وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ الرِّجَالَ، كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي"مَسَائِلِ الْخِلَافِ"، وَحَقَّقْنَاهُ فِي"أُصُولِ الْفِقْهِ"؛ عَلَى أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَهَذَا كَانَ هَاهُنَا.
1 في م: في هذه الآية.
2 هي بسرة بنت صفوان بن نوفل، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم.