شَاءَ أَنْ يُقَدِّمَ اسْتَقْدَمَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَقْلِبَ الْمُؤَخَّرَ مُقَدَّمًا وَالْمُقَدَّمَ مُؤَخَّرًا فَعَلَ، لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا حَرَجَ فِيهِ، وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَقَدْ بَيَّنَّا الْجُنَاحَ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَأَوْضَحْنَا حَقِيقَتَهُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} .
الْمَعْنَى أَنَّ الْأَمْرَ إذَا كَانَ الْإِدْنَاءُ وَالْإِقْصَاءُ لَهُنَّ، وَالتَّقْرِيبُ وَالتَّبْعِيدُ إلَيْك، تَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا شِئْت، كَانَ أَقْرَبَ إلَى قُرَّةِ أَعْيُنِهِنَّ، وَرَاحَةِ قُلُوبِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي شَيْءٍ كَانَ رَاضِيًا بِمَا أُوتِيَ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ لَهُ حَقًّا لَمْ يُقْنِعْهُ مَا أُوتِيَ مِنْهُ، وَاشْتَدَّتْ غَيْرَتُهُ عَلَيْهِ، وَعَظُمَ حِرْصُهُ فِيهِ، فَكَانَ مَا فَعَلَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مِنْ تَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ فِي أَحْوَالِ أَزْوَاجِهِ أَقْرَبَ إلَى رِضَاهُنَّ مَعَهُ، وَاسْتِقْرَارِ أَعْيُنِهِنَّ عَلَى مَا يُسْمَحُ بِهِ1 مِنْهُ لَهُنَّ، دُونَ أَنْ تَتَعَلَّقَ قُلُوبُهُنَّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي:
الْمَسْأَلَةِ الثَّامِنَةِ: {وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} .
الْمَعْنَى: وَتَرْضَى كُلُّ وَاحِدَةٍ بِمَا أُوتِيَتْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، لِعِلْمِهَا بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ حَقٍّ لَهَا، وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهَا، وَقَلِيلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَثِيرٌ، وَاسْمُ زَوْجَتِهِ، وَالْكَوْنُ فِي عِصْمَتِهِ، وَمَعَهُ فِي الْآخِرَةِ فِي دَرَجَتِهِ، فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ كَبِيرٌ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: {وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَهُوَ بَيِّنٌ عِنْدَ الْأُمَّةِ أَنَّ الْبَارِئَ {لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران: 5] . {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] ، وَيَطَّلِعُ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وَوَجْهُ تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ هَاهُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِنَا مِنْ مَيْلٍ إلَى بَعْضِ مَا عِنْدَنَا مِنَ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ، وَهُوَ يَسْمَحُ فِي ذَلِكَ؛ إذْ لَا يَسْتَطِيعُ الْعَبْدُ أَنْ يَصْرِفَ قَلْبَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمِيلِ إنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصْرِفَ فَعَلَهُ، وَلَا يُؤَاخِذُ الْبَارِئُ سُبْحَانَهُ بِمَا فِي الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُؤَاخِذُ بِمَا يَكُونُ مِنْ فِعْلٍ فِيهِ، وَإِلَى ذَلِكَ يَعُودُ قَوْلُهُ: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا} وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ:
1 في م: على ما سمح به.