وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يُؤْثَرُ عَنْهُ مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِ طَرَفَةَ1:
سَتُبْدِي لَك الْأَيَّامُ مَا كُنْت جَاهِلًا وَيَأْتِيك مَنْ لَمْ تَزَوَّدْ بِالْأَخْبَارِ
وَقَالَ2:
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْدِ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ
وَقَالَ:
كَفَى الْإِسْلَامُ وَالشَّيْبُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي ذَلِكَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَقَبَّلَ رَأْسَهُ قَالَ اللَّهُ: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} .
قَالُوا: وَمِنْهَا قَوْلُهُ:
هَلْ أَنْتَ إلَّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيت
وَأَلْزَمُونَا أَنَّ هَذَا شِعْرٌ مَوْزُونٌ مِنْ بَحْرِ السَّرِيعِ.
قُلْنَا: إنَّمَا يَكُونُ هَذَا شِعْرًا مَوْزُونًا إذَا كُسِرَتْ التَّاءُ مِنْ دَمِيَتْ وَلَقِيت، فَإِنْ سُكِّنَتْ لَمْ يَكُنْ شِعْرًا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ تَكُونُ فَعُولٌ، وَلَا مَدْخَلَ لِفَعُولٍ فِي بَحْرِ السَّرِيعِ. وَلَعَلَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهَا سَاكِنَةَ التَّاءِ أَوْ مُتَحَرِّكَةَ التَّاءِ مِنْ غَيْرِ إشْبَاعٍ.
قَالُوا: وَمِنْهَا قَوْلُهُ:"اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ"؛ فَادَّعَوْا أَنَّهُ عَلَى وَزْنِ مَشْطُورِ الرَّجَزِ.
قُلْنَا: إنَّمَا يَكُونُ شِعْرًا إذَا تَكَلَّمَ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ مَوْصُولًا، فَإِنْ وَقَفَ عَلَى قَوْلِهِ: اللَّهُ مَوْلَانَا، أَوْ وَصَلَ وَحَرَّكَ الْمِيمَ مِنْ قَوْلِهِ لَكُمْ لَمْ يَكُنْ شِعْرًا. وَقَدْ نَقَلَهُ وَوَصَلَهُ بِكَلَامٍ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ:"الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ". وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لَا يَكُونُ شِعْرًا إلَّا بَعْدَ تَفْسِيرِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتُسَكَّنُ اللَّامُ مِنْ قَوْلِك الْوَلَدُ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ.
1 البيت روايته في الديوان: [41] :
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
2 البيت للعباس بن مرداس كما في"اللسان" [نهب] . وشطره الثاني:
بين عيينة والأقرع