وَفِي صَحِيحِ1 الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ:
"أُرِيتُك فِي سَرَقَةٍ2 مِنْ حَرِيرٍ. فَقَالَ الْمَلَكُ: هَذِهِ زَوْجُك، فَاكْشِفْ عَنْهَا، فَإِذَا هِيَ أَنْتِ". فَقُلْت: إنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ . وَلَمْ يَشُكَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ لِقَوْلِهِ:
"فَقَالَ لِي الْمَلَكُ"، وَلَا يَقُولُ الْمَلَكُ إلَّا حَقًّا، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ احْتَمَلَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَا بِاسْمِهَا أَوْ تَكُونَ بِكُنْيَتِهَا، فَإِنْ كَانَتْ بِاسْمِهَا فَتَكُونُ هِيَ الزَّوْجَةُ، وَإِنْ كَانَتْ الرُّؤْيَا مُكَنَّاةً فَتَكُونُ فِي أُخْتِهَا أَوْ قَرَابَتِهَا أَوْ جَارَتِهَا، أَوْ مَنْ يُسَمَّى بِاسْمِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّشْبِيهَاتِ فِيهَا؛ وَهَذَا أَصْلٌ تَقَرَّرَ فِي الْبَابِ فَلْيُحْفَظْ وَلْيُحَصَّلْ، فَإِنَّهُ أَصْلُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَة:ُ قَدْ جَرَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَرِيبَةٌ قَدْ بَيَّنَّاهَا حَيْثُ وَقَعَتْ مِنْ كَلَامِنَا، ذَكَرَهَا جَمِيعُ عُلَمَائِنَا مَعَ أَحْزَابِ الطَّوَائِفِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ الْأَمْرَ بِالذَّبْحِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الذَّبْحُ، وَلَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ رَفْعُهُ.
وَقَالَ الْمُخَالِفُونَ: إنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ، وَلَكِنَّهُ نُفِّذَ الذَّبْحُ، وَكَانَ كُلَّمَا قَطَعَ جُزْءًا الْتَأَمَ، فَاجْتَمَعَ الذَّبْحُ وَالْإِعَادَةُ لِمَوْضِعِهَا حَسْبَمَا كَانَتْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: وَجَدَ حَلْقَهُ نُحَاسًا أَوْ مُغَشًّى بِنُحَاسٍ، فَكَانَ كُلَّمَا أَرَادَ قَطْعًا وَجَدَ مَنْعًا؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ فِي الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ؛ وَلَكِنْ3 يَفْتَقِرُ إلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ؛ وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ الْخَبَرُ، وَكَانَ الذَّبْحُ وَالْتِئَامُ الْأَجْزَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْقَعَ فِي مَطْلُوبِهِمْ مِنْ وَضْعِ النُّحَاسِ مَوْضِعَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ، وَكُلُّهُ أَمْرٌ بَعِيدٌ مِنَ العِلْمِ؛ وَبَابُ التَّحْقِيقِ فِيهَا وَمَسْلَكُهُ مَا بَيَّنَّاهُ وَاخْتَرْنَاهُ، فَأَوْضَحْنَا لِبَابِهِ الَّذِي لَمْ نُسْبَقْ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ مُخْبِرًا عَنْ إبْرَاهِيمَ: إنَّهُ قَالَ لِوَلَدِهِ: { يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُك فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْت الرُّؤْيَا} [الصافات: 102-105] .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَا إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ غَلَبَةِ الْأَخْلَاطِ كَمَا تَقُولُ الْفَلَاسِفَةُ وَتِلْكَ أَخْلَاطٌ، وَأَيُّهَا فَلَيْسَ لَهَا بِالْأَنْبِيَاءِ أَخْلَاطٌ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَلَمْ يُحَدِّثْ إبْرَاهِيمُ قَطُّ نَفْسَهُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ، فَلَيْسَ لِلشَّيْطَانِ عَلَى
1"صحيح مسلم": [1890] .
2 سرقة: شقق بيض من الحرير.
3 في ش: ولكنه.