الثَّالِثُ: تُحَوَّلُ لِي عَنْهَا؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَيَرْجِعُ إلَى الْعَطَاءِ وَالْكَفَالَةِ إلَّا أَنَّهُ أَعَمُّ مِنَ الكَفَالَةِ وَأَخَصُّ مِنَ العَطَاءِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى: { وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} .
يَعْنِي غَلَبَنِي، مِنْ قَوْلِهِمْ: مَنْ عَزَّ بَزَّ. وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ الْغَلَبَةِ؛ فَقِيلَ مَعْنَاهُ: غَلَبَنِي بِبَيَانِهِ. وَقِيلَ: غَلَبَنِي بِسُلْطَانِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَأَلَهُ لَمْ يَسْتَطِعْ خِلَافَهُ.
كَانَ بِبَلَدِنَا أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ سَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَكَلَّمْته فِي أَنْ يَسْأَلَ لِي رَجُلًا حَاجَةً، فَقَالَ لِي: أَمَا عَلِمْت أَنَّ طَلَبَ السُّلْطَانِ الْحَاجَةَ غَصْبٌ لَهَا.
فَقُلْت1: أَمَّا إذَا كَانَ عَدْلًا فَلَا. فَعَجِبْت مِنْ عُجْمَتِهِ وَحِفْظِهِ لِمَا تَمَثَّلَ بِهِ، وَفِطْنَتِهِ، كَمَا عَجِبَ مِنْ جَوَابِي لَهُ وَاسْتَغْرَبَهُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ فِي الْآيَةِ الْخَامِسَةِ.
قَوْله تَعَالَى: { لَقَدْ ظَلَمَك بِسُؤَالِ نَعْجَتِك إلَى نِعَاجِهِ} [ص: 24] .
الظُّلْمُ: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مُحَرَّمًا وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا شَرْعًا، وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا عَادَةً، فَإِنْ كَانَ غَلَبَهُ عَادَةً2 عَلَى أَهْلِهِ فَهُوَ ظُلْمٌ مُحَرَّمٌ، وَإِنْ كَانَ سَأَلَهُ إيَّاهَا فَهُوَ ظُلْمٌ مَكْرُوهٌ شَرْعًا وَعَادَةً، وَلَكِنْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ فِي تَقْيِيدِ مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ:
وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُمْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَحْوَالٍ مُتَفَاوِتَةٍ؛ أَمْثَلُهَا:
أَنَّ دَاوُد حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ إذْ اُبْتُلِيَ أَنْ يَعْتَصِمَ، فَقِيلَ لَهُ. إنَّك سَتُبْتَلَى وَتَعْلَمُ الَّذِي تُبْتَلَى فِيهِ، فَخُذْ حِذْرَك؛ فَأَخَذَ الزَّبُورَ وَدَخَلَ الْمِحْرَابَ، وَمَنَعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ؛ فَبَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جَاءَ طَائِرٌ كَأَحْسَنِ مَا يَكُونُ، وَجَعَلَ يُدْرِجُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَمَّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ بِيَدِهِ، فَاسْتُدْرِجَ حَتَّى وَقَعَ فِي كُوَّةِ الْمِحْرَابِ، فَدَنَا مِنْهُ لِيَأْخُذَهُ، فَطَارَ فَاطَّلَعَ لِيُبْصِرَهُ فَأَشْرَفَ عَلَى امْرَأَةٍ تَغْتَسِلُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ غَطَّتْ جَسَدَهَا بِشَعْرِهَا، فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ، وَكَانَ زَوْجُهَا غَازِيًا3 فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ دَاوُد
1 في ش: فقلت له.
2 من م.
3 في ش: غائبًا.