لْآيَة الرَّابِعَة:
قَوْله تَعَالَى: { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَك وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [ فصلت: 34] .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:
المسألة الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِهَا:
رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ؛ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُمِرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ. وَقِيلَ لَهُ: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَك وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} .
المسألة الثَّانِيَةُ: اُخْتُلِفَ مَا الْمُرَادُ بِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: قِيلَ الْمُرَادُ بِهَا مَا رُوِيَ فِي الْآيَةِ أَنْ نَقُولَ: إنْ كُنْت كَاذِبًا يَغْفِرُ اللَّهُ لَك، وَإِنْ كُنْت صَادِقًا يَغْفِرُ اللَّهُ لِي، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَهُ لِرَجُلٍ نَالَ مِنْهُ.
الثَّانِي الْمُصَافَحَةُ، وَفِي الْأَثَرِ:"تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الْغِلُّ".
وَإِنْ لَمْ يَرَ مَالِكٌ الْمُصَافَحَةَ، وَقَدْ اجْتَمَعَ مَعَ سُفْيَانَ فَتَكَلَّمَا فِيهَا.
فَقَالَ سُفْيَانُ: قَدْ صَافَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الحَبَشَةِ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: ذَلِكَ خَاصٌّ لَهُ؛ فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ: مَا خَصَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخُصُّنَا، وَمَا عَمَّهُ يَعُمُّنَا، وَالْمُصَافَحَةُ ثَابِتَةٌ، فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهَا.
وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ قَالَ: قُلْت لِأَنَسٍ: هَلْ كَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: نَعَمْ. وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا".