فهرس الكتاب

الصفحة 2081 من 2471

يَفْعَلُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَاءَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:"فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَلِكَ". وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ طَرِيقِ النَّبِيِّ الْمُتَقَدِّمِ فِيهِ فَإِذًا لَا سَبِيلَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ:

لَعَمْرُك مَا تَدْرِي الضَّوَارِبُ بِالْحَصَى وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللَّهُ صَانِعٌ 1

وَحَقِيقَتُهُ عِنْدَ أَرْبَابِهِ تَرْجِعُ إلَى صُوَرِ الْكَوَاكِبِ، فَيَدُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ تِلْكَ الْكَوَاكِبِ مِنْ سَعْدٍ أَوْ نَحْسٍ يَحِلُّ بِهِمْ، فَصَارَ ظَنًّا مَبْنِيًّا عَلَى ظَنٍّ، وَتَعَلَّقَا بِأَمْرٍ غَائِبٍ قَدْ دَرَسَتْ طَرِيقُهُ، وَفَاتَ تَحْقِيقُهُ، وَقَدْ نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ، وَأَخْبَرَتْ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ، وَقَطَعَهُ عَنِ الخَلْقِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ أَسْبَابٌ يَتَعَلَّقُونَ بِهَا فِي دَرْكِ الْغَيْبِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ رَفَعَ تِلْكَ الْأَسْبَابَ، وَطَمَسَ تِلْكَ الْأَبْوَابَ، وَأَفْرَدَ نَفْسَهُ بِعِلْمِ الْغَيْبِ؛ فَلَا يَجُوزُ مُزَاحَمَتُهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ دَعْوَاهُ، وَطَلَبُهُ عَنَاءً لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَهْيٌ، فَإِذْ قَدْ وَرَدَ النَّهْيُ فَطَلَبُهُ مَعْصِيَةٌ أَوْ كُفْرٌ بِحَسَبِ قَصْدِ الطَّالِبِ2.

المسألة الثَّالِثَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبْقِ مِنَ الأَسْبَابِ الدَّالَّةِ عَلَى الْغَيْبِ الَّتِي أَذِنَ فِي التَّعَلُّقِ بِهَا وَالِاسْتِدْلَالِ مِنْهَا إلَّا الرُّؤْيَا، فَإِنَّهُ أَذِنَ فِيهَا وَأَخْبَرَ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَكَذَلِكَ الْفَأْلُ. فَأَمَّا الطِّيَرَةُ وَالزَّجْرُ فَإِنَّهُ نَهَى عَنْهُمَا.

وَالْفَأْلُ هُوَ الِاسْتِدْلَال بِمَا يَسْتَمِعُ مِنَ الكَلَامِ عَلَى مَا يُرِيدُ مِنَ الأَمْرِ إذَا كَانَ حَسَنًا، فَإِنْ سَمِعَ مَكْرُوهًا فَهُوَ تَطَيُّرٌ، وَأَمَرَ الشَّرْعُ بِأَنْ يَفْرَحَ بِالْفَأْلِ، وَيَمْضِيَ عَلَى أَمْرِهِ مَسْرُورًا بِهِ. فَإِذَا سَمِعَ الْمَكْرُوهَ أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يَرْجِعْ لِأَجْلِهِ، وَقَالَ كَمَا عَلَّمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إلَّا طَيْرُك، وَلَا خَيْرَ إلَّا خَيْرُك، وَلَا إلَهَ غَيْرُك". وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْأُدَبَاءِ:

الْفَأْلُ وَالزَّجْرُ وَالْكُهَّانُ كُلُّهُمْ مُضَلِّلُونَ وَدُونَ3 الْغَيْبِ أَقْفَالٌ

وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ إلَّا فِي الْفَأْلِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ اسْتِثْنَاءٌ، وَأَمَرَ بِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْ هَذَا الشَّاعِرِ مَا نَظَمَهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ بِجَهْلٍ؛ وَصَاحِبُ الشَّرْعِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

1 البيت للبيد،"ديوانه": [172] ، والرواية فيه: الطوارق بدل الضوارب.

2 في ش: الطلب.

3 في ش: فدون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت