فَإِنْ قِيلَ: وَكَيْف يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِ مَا لَا غِنَى عَنْهُ وَلَا عِوَضَ مِنْهُ؟ هَذَا مُنَاقِضٌ لِلْحِكْمَةِ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّا لَا نَقُولُ إنَّهُ لَا غِنَى عَنْهَا وَلَا عِوَضَ مِنْهَا؛ بَلْ لِلْمَرِيضِ عَنْهَا أَلْفُ غِنًى، وَلِلصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ مِنْهَا عِوَضٌ مِنْ الْخَلِّ وَنَحْوِهِ.
الثَّانِي: أَنْ نَقُولَ: لَوْ كَانَتْ لَا غِنَى عَنْهَا وَلَا عِوَضَ مِنْهَا لَامْتَنَعَ تَحْرِيمُهَا، وَلَا اسْتَحَالَ أَنْ يَمْنَعَ الْبَارِي تَعَالَى الْخَلْقَ مِنْهَا لِثَلَاثَةِ أَدِلَّةٍ1:
الْأَوَّلُ: أَنَّ لِلْبَارِي تَعَالَى أَنْ يَمْنَعَ الْمَرَافِقَ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا، وَأَنْ يُبِيحَهَا، وَقَدْ آلَمَ الْحَيَوَانَ وَأَمْرَضَ الْإِنْسَانَ.
الثَّانِي: أَنَّ التَّطَبُّبَ غَيْرُ وَاجِبٍ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّةِ، ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ قَالَ:"يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ، وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ2 وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ".
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا صَلَاحُ بَدَنٍ لَكَانَتْ فِيهَا ضَرَاوَةٌ وَذَرِيعَةٌ إلَى فَسَادِ الْعَقْلِ، فَتَقَابَلَ الْأَمْرَانِ، فَغَلَبَ الْمَنْعُ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْمُنَبَّهِ3 عَلَيْهَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا لَوْ اُسْتُهْلِكَتْ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْأَدْوِيَةِ؛ هَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ الطَّعَامِ أَوْ ذَلِكَ الدَّوَاءِ أَمْ لَا؟ فَأَجَازَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ، وَتَرَدَّدَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ".
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} : وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِثْمَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ أَكْبَرُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
1 في ل: لثلاثة أوجه.
2 يسترقون: يستعملون الرقية: المعوذةالتي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات، وقد جاء في بعض الأحاديث جوازها، وفي بعضها النهي عنها,"التهاية".
3 في أ: المبنية عليها، صوابه من ل.