وَلِذَلِكَ قَالَ1:"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ".
وَقَالَ فِي حَدِيثِ الْعَسِيفِ2 الَّذِي افْتَدَى مِنَ الجَلْدِ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ:"أَمَّا غَنَمُك فَرَدٌّ عَلَيْك وَجَلْدُ ابْنِك مِائَةً وَتَغْرِيبُهُ عَامًا"3.
وَتَرَدَّدَتْ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ عُظْمَى بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؛ وَهِيَ مَا إذَا اجْتَمَعَ فِي عَقْدٍ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَازْدَحَمَ عَلَيْهِ صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ؛ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ، وَيُفْسَخُ بِكُلِّ حَالٍ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ؛ أَمَّا فِي الْبَيْعِ فَلَا يَجُوزُ إجْمَاعًا، وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلَا، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ. وَأَمَّا فِي الْأَحْبَاسِ وَالْهِبَاتِ فَيَحْتَمِلُ كَثِيرًا مِنَ الجَهَالَةِ وَالْأَخْطَارِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فِيهَا، حَتَّى قَالَ أَصْبَغُ: إنَّ مَا لَا يَجُوزُ إذَا دَخَلَ فِي الصُّلْحِ مَعَ مَا يَجُوزُ مَضَى الْكُلُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَمْضِي إنْ طَالَ. وَقَالَ سَائِرُ عُلَمَائِنَا: لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْهُ، وَهُوَ كَالْبَيْعِ.
وَأَمَّا إنْ وَقَعَ النَّهْيُ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ: يُفْسَخُ أَبَدًا. وَقَالَ مَالِكٌ: يُفْسَخُ مَا لَمْ يَفُتْ، فِي تَفْصِيلٍ طَوِيلٍ بَيَانُهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ تَأْصِيلًا، وَفِي فُرُوعِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ تَفْصِيلًا بَنَيْنَاهُ عَلَى تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَالْمَعْنَى وَالرَّدِّ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا فَسْخُ الْفَاسِدِ أَبَدًا حَيْثُمَا وَقَعَ، وَكَيْفَمَا وُجِدَ، فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ1:"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ".
المسألة الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} :
وَإِنْ جَاءَ بِلَفْظِ الْإِيتَاءِ وَهِيَ الْمُنَاوَلَةُ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} فَقَابَلَهُ بِالنَّهْيِ، وَلَا يُقَابِلُ النَّهْيَ إلَّا الْأَمْرُ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى فَهْمِ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -4:"لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَات، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ5 لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ لِخَلْقِ اللَّهِ". فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ،
1"صحيح مسلم": [1344] .
2 العسيف: الأجير"النهاية".
3 في ش: وجلد ابنه وغربه.
4"صحيح مسلم": [1678] .
5 الواشمة: الوشم أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بكحل أو نيل فيزرق أثره أو يخضر. والمستوشمة: التي يفعل بها ذلك. والنامصة: التي تنتف الشعر من وجهها. والمتنمصة: التي تأمر من يفعل بها ذلك. والمتفلجات:الفلج: فرجة بين الثنايا، والمتفلجات: اللاتي يفعلن ذلك بأسنانهن رغبة في التحسين"النهاية".