وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} .
فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤَاكِلُوهُنَّ وَيُشَارِبُوهُنَّ، وَأَنْ يَكُونُوا فِي الْبَيْتِ مَعَهُنَّ، وَأَنْ يَفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ مَا خَلَا النِّكَاحَ.
فَقَالَتْ الْيَهُودُ: مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إلَّا خَالَفَنَا فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْد1ُ بْنُ الْحُضَيْرِ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَلَا نُخَالِفُ الْيَهُودَ فَنَطَأُ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ2 عَلَيْهِمَا. قَالَ: فَقَامَا فَخَرَجَا عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَتْهُمْ ا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَلِمَا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كَانَ غَضَبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ؛ إمَّا كَرَاهِيَةٌ مِنْ كَثْرَةِ الْأَسْئِلَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ:"ذَرُونِي مَا تَرَكَتْكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ".
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَرِهَ الْأَطْمَاعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالرَّذَائِلِ، وَإِنْ كَانَتْ مُقْتَرِنَةً بِاللَّذَّاتِ؛ وَالْوَطْءُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ رَذِيلَةٌ يَسْتَدْعِي عُزُوفَ النَّفْسِ. وَعُلُوُّ الْهِمَّةِ الِانْكِفَافَ عَنْهُ لَوْ كَانَ مُبَاحًا، كَيْفَ وَقَدْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا مِمَّنْ تَحَقَّقَ فِي الدِّينِ عِلْمُهُ، وَثَبَتَ فِي الْمُرُوءَةِ قَدَمُهُ كَأُسَيْدٍ وَعَبَّادٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانُوا يَأْتُونَ النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ فِي الْمَحِيضِ فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ وَهَذَا ضَعِيفٌ يَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي تَفْسِيرِ الْمَحِيضِ
وَهُوَ مَفْعَلُ، مِنْ حَاضَ يَحِيضُ إذَا سَالَ حَيْضًا، تَقُولُ الْعَرَبُ: حَاضَتْ الشَّجَرَةُ وَالسَّمُرَةُ: إذَا سَالَتْ رُطُوبَتُهَا، وَحَاضَ السَّيْلُ: إذَا سَالَ قَالَ الشَّاعِرُ3:
وَحَيَّضَتْ .. عَلَيْهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّوَاحِمِ
1 يقال لأبيه خضير الكتائب
2 وجد عليهما: غضب
3 تمام البيت
أَجَالَتْ حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ
عَلَيْهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّوَاحِمِ
وهو لعمارة بن عقيل، اللسان"حيض, طحم"