فهرس الكتاب

الصفحة 2296 من 2471

وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ؛ هَلْ هُوَ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُفَضَّلِ أَوْ احْتِمَالِهِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مُفَضَّلٌ بِتَفْضِيلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ مُحْتَمِلٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ كُلَّ1 تَأْوِيلٍ تَضَمَّنَ فِيهِ مِقْدَارًا يَجُوزُ تَقْدِيرُهُ عَلَى خِلَافِهِ؛ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ لَا بَأْسَ بِهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:"صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنَ الفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ؛ فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي"، وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ نَصًّا.

المسألة الثَّانِيَةُ: الْمَسَاجِدُ وَإِنْ كَانَتْ لِلَّهِ مُلْكًا وَتَشْرِيفًا فَإِنَّهَا قَدْ نُسِبَتْ إلَى غَيْرِهِ تَعْرِيفًا، فَيُقَالُ: مَسْجِدُ فُلَانٍ.

وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنَ الحَيْفَاءِ2 وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ.

وَتَكُونُ هَذِهِ الْإِضَافَةُ بِحُكْمِ الْمَحَلِّيَّةِ، كَأَنَّهَا فِي قِبْلَتِهِمْ، وَقَدْ تَكُونُ بِتَحْبِيسِهِمْ، فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ مُلْكًا، ثُمَّ يَخُصُّ بِهَا مَنْ يَشَاءُ، فَيَرُدَّهَا إلَيْهِ، وَيُعَيِّنُهَا لِعِبَادَتِهِ، فَيَنْفُذُ ذَلِكَ بِحُكْمِهِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي تَحْبِيسِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَقَابِرِ3 وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَحْبِيسِ غَيْرِ ذَلِكَ

المسألة الثَّالِثَةُ: إذَا تَعَيَّنَتْ لِلَّهِ أَصْلًا، وَعُيِّنَتْ لَهُ عَقْدًا، فَصَارَتْ عَتِيقَةً عَنِ التَّمَلُّكِ، مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْخَلِيقَةِ فِي الْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْأَبْوَابِ لَهَا، وَوَضْعُ الْإِغْلَاقِ عَلَيْهَا مِنْ بَابِ الصِّيَانَةِ لَهَا؛ فَهَذِهِ الْكَعْبَةُ بِأَبْوَابِهَا، وَكَذَلِكَ أَدْرَكْنَا الْمَسَاجِدَ الْكَرِيمَةَ.

وَفِي"الْبُخَارِيِّ"مُدْرَجًا، وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُد مُسْنَدًا: كَانَتْ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ، وَتَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا يَرُشُّونَ ذَلِكَ؛ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ4 حِينَئِذٍ بَابٌ، ثُمَّ اُتُّخِذَ لَهُ الْبَابُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ تَرْكُ الْبَابِ لَهُ شَرْعًا، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ تَقْصِيرِ النَّفَقَةِ وَاخْتِصَارِ الْحَالَةِ.

المسألة الرَّابِعَةُ: مَعَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ لَا يُذْكَرُ فِيهَا غَيْرُ5 اللَّهِ فَإِنَّهُ تَجُوزُ الْقِسْمَةُ لِلْأَمْوَالِ فِيهَا، وَيَجُوزُ وَضْعُ الصَّدَقَاتِ فِيهَا عَلَى رَسْمِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ أَكَلَ، وَيَجُوزُ حَبْسُ الْغَرِيمِ فِيهَا، وَرَبْطُ الْأَسِيرِ، وَالنَّوْمُ فِيهَا، وَسُكْنَى الْمَرِيضِ فِيهَا، وَفَتْحُ الْبَابِ لِلْجَارِ، وَإِنْشَاءُ الشِّعْرِ فِيهَا إذَا عَرِيَ عَنِ البَاطِلِ، وَلَا نُبَالِي أَنْ يَكُونَ غَزَلًا، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.

1 في م، ش: لكن.

2 الحيفاء: موضع بالمدينة.

3 في أ: المعابر.

4 في ش، م: له.

5 في ش: إلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت