فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:
المسألة الْأُولَى: فِي مَعْنَى التَّبَتُّلِ:
وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ التَّفَرُّدُ؛ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ غَيْرُهُ وَهُوَ الْأَقْوَى: هُوَ الْقَطْعُ، يُقَالُ: بَتَلَ إذَا قَطَعَ، وَتَبَتَّلَ إذَا كَانَ الْقَطْعُ1 فِي نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ2 قَالُوا: إنَّ مَعْنَى الْآيَةِ انْفَرِدْ لِلَّهِ، وَصَدَقَةٌ بَتْلَةٌ، أَيْ مُنْقَطِعَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ.
وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ: رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عُثْمَانَ [بْنِ مَظْعُونٍ] 3 التَّبَتُّلَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ3 لَاخْتَصَيْنَا؛ يَعْنِي الِانْقِطَاعَ عَنِ النِّسَاءِ.
وَفِي الْأَثَرِ:"لَا رَهْبَانِيَّةَ وَلَا تَبَتُّلَ فِي الْإِسْلَامِ".
وَمِنْهُ مَرْيَمُ الْعَذْرَاءُ الْبَتُولُ، أَيْ الَّتِي انْقَطَعَتْ عَنِ الرِّجَالِ، وَتُسَمَّى فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَتُولَ، لِانْقِطَاعِهَا عَنْ نِسَاءِ زَمَانِهَا فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ وَالنَّسَبِ3 وَالْحَسَبِ. وَهَذَا قَوْلٌ أَحْدَثَتْهُ الشِّيعَةُ، وَإِلَّا فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَائِشَةَ، وَلَيْسَتْ مِنَ المَسَائِلِ الْمُهِمَّةِ، وَكِلْتَاهُمَا مِنَ الدِّينِ وَالْجَلَالِ فِي الْغَايَةِ الْقُصْوَى، وَرَبُّك أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ وَأَعْلَى. وَقَدْ أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ وَشَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ .
المسألة الثَّانِيَةُ: قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [ في تَفْسِيرُ] 3 قَوْله تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] حَالُ الدِّينِ فِي الْكَرَاهِيَةِ لِمَنْ تَبَتَّلَ فِيهِ، وَانْقَطَعَ، وَسَلَكَ سَبِيلَ الرَّهْبَانِيَّةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ، وَأَمَّا الْيَوْمُ وَقَدْ مَرِجَتْ عُهُودُ النَّاسِ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَاسْتَوْلَى الْحَرَامُ عَلَى الْحُطَامِ، فَالْعُزْلَةُ خَيْرٌ مِنَ الخُلْطَةِ، وَالْعُزْبَةُ أَفْضَلُ مِنَ التَّأَهُّلِ4، وَلَكِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: انْقَطَعَ عَنِ الأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ، وَعَنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ؛ وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ، وَلَمْ يُرِدْ [انْقَطِعْ عَنِ النَّاسِ وَالنِّسَاءِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ لِأَجْلِ مَا رُوِيَ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ] 5 التَّبَتُّلِ فَصَارَ التَّبَتُّلُ مَأْمُورًا بِهِ فِي الْقُرْآنِ، مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي السُّنَّةِ؛ وَمُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ غَيْرُ مُتَعَلِّقِ النَّهْيِ؛ إذْ لَا يَتَنَاقَضَانِ، وَإِنَّمَا بُعِثَ النَّبِيُّ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ
1 في أ: انقطع وفي"القرطبي": لأن معنى تبتل بتل نفسه.
2 في ش: ولذلك.
3 ليس في ش، م.
4 في أ: التأهيل.
5 ليس في ش، م، كما أنه ليس فيما نقل"القرطبي"عن ابن العربي.