عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَهُمَا انْعِقَادُ النِّكَاحِ، وَوُقُوعُ الْوَطْءِ، وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ الْجُوَيْنِيُّ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ فَإِنَّهُ مَدَّ التَّحْرِيمَ إلَى غَايَةٍ، وَهِيَ انْقِطَاعُ الدَّمِ، وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ الْجَوَازُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ لِسَبَبِ حُكْمِ الْغَايَةِ.
قُلْنَا: إنَّمَا يَكُونُ حُكْمُ الْغَايَةِ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا إذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً، فَأَمَّا إذَا انْضَمَّ إلَيْهَا شَرْطٌ آخَرُ فَإِنَّمَا يَرْتَبِطُ الْحُكْمُ بِمَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وَكَمَا بَيَّنَّاهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ هَذَا تَجْدِيدَ شَرْطٍ زَائِدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إعَادَةٌ لِلْكَلَامِ، كَمَا تَقُولُ: لَا تُعْطِ زَيْدًا شَيْئًا حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ، فَإِذَا دَخَلَ فَأَعْطِهِ؛ وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحْفَظُ حُكْمَ الْغَايَةِ وَيُقِرُّهَا عَلَى أَصْلِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ لَفْظِ الشَّرْطِ أَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي الْغَايَةِ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّا نَقُولُ: رَوَى عَطِيَّةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:"فَإِذَا تَطَهَّرْنَ بِالْمَاءِ"، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ.
الثَّانِي: أَنَّ تَطَهَّرَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا يَكْتَسِبُهُ الْإِنْسَانُ وَهُوَ الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ، فَأَمَّا انْقِطَاعُ الدَّمِ فَلَيْسَ بِمُكْتَسَبٍ.
فَإِنْ قِيلَ: بَلْ يُسْتَعْمَلُ تَفَعَّلَ فِي غَيْرِ الِاكْتِسَابِ، كَمَا يُقَالُ: تُقَطَّعَ الْحَبْلُ، وَكَمَا يُقَالُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: تَجَبُّرٌ وَتَكَبُّرٌ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ اكْتِسَابٌ وَلَا تَكَلُّفٌ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ اللُّغَةِ مَا قُلْنَاهُ، وَقَوْلُهُ: تَقَطَّعَ الْحَبْلُ نَادِرٌ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ حُكْمٌ.
جَوَابٌ آخَرُ: هَبْكُمْ سَلَّمْنَا لَكُمْ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ، فَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُسْتَعْمَلُ، فَلَا يُقَالُ تَطَهَّرَتْ الْمَرْأَةُ بِمَعْنَى انْقَطَعَ دَمُهَا. وَإِذَا لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَقَعْ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِهَا، وَهَذِهِ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ مِنْ الْمَجَازِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى الشَّيْءِ إذَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَأَمَّا1 مَجَازٌ اُسْتُعْمِلَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ طَرِيقًا إلَى تَأْوِيلِ اللَّفْظِ فِيمَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ؛ وَفِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْجَمَادَاتِ2 لا
1 في أ: فأما
2 في أ: الجماعات