فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 2471

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:"لَا إغْلَالَ1 وَلَا إسْلَالَ". وَفِيهِ تَفْسِيرَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِغْلَالَ خِيَانَةُ الْمَغْنَمِ، وَالْإِسْلَالِ: السَّرِقَةُ مُطْلَقَةٌ. الثَّانِي: أَنَّ الْإِغْلَالَ وَالْإِسْلَالَ السَّرِقَةُ. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْإِغْلَالَ خِيَانَةُ الْمَغْنَمِ وَالْإِسْلَالَ سَرِقَةُ الْخَطْفِ مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُ، كَمَا يَفْعَلُ سُودَانُ مَكَّةَ الْيَوْمَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْقِرَاءَاتِ:

قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ يَغُلُّ بِضَمِّ الْغَيْنِ، وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ، وَهُمَا صَحِيحَتَانِ قِرَاءَةً وَمَعْنًى.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي مَعْنَى الْآيَةِ:

فَأَمَّا مَنْ قَرَأَهَا بِضَمِّ الْغَيْنِ فَمَعْنَاهُ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَخُونَ فِي مَغْنَمٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَّهَمٍ. وَلَا فِي وَحْيٍ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِظَنِينٍ وَلَا ضَنِينٍ، أَيْ لَيْسَ بِمُتَّهَمٍ عَلَيْهِ وَلَا بِخَيْلٍ فِيهِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ أَمِينًا حَرِيصًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ يَخُونُ وَهُوَ يَأْخُذُ مَا أَحَبَّ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ وَيَكُونُ لَهُ فِيهِ سَهْمُ الصَّفِيِّ2؛ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَصْطَفِيَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ مَا أَرَادَ، ثُمَّ يَأْخُذَ الْخُمُسَ وَتَكُونَ الْقِسْمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَمَا كَانَ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ كَرَامَةَ أَخْلَاقٍ وَطَهَارَةَ أَعْرَاقٍ، فَكَيْفَ مَعَ مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ وَعِصْمَةِ الرِّسَالَةِ. وَمَنْ قَرَأَ يُغَلَّ بِنَصْبِ الْغَيْنِ فَلَهُ أَرْبَعَةُ مَعَانٍ:

الْأَوَّلُ: يُوجَدُ غَالًّا، كَمَا تَقُولُ: أَحْمَدْتُ فُلَانًا.

الثَّانِي: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَخُونَهُ أَحَدٌ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذَا تُلِيَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفَسَّرَ بِهَذَا عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ. فَقَالَ: نَعَمْ وَيَقْتُلُ.

وَهَذَا لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا؛ فَإِنْ بَاعَهُ فِي الْعِلْمِ وَالتَّفْسِيرِ لَا يَبُوعَهُ3 أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ، أَنْ يَخُونَهُ أَحَدٌ وُجُودًا، إنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَخُونَهُ أَحَدٌ شَرْعًا، نَعَمْ يَكُونُ ذَلِكَ فِيهِمْ فُجُورًا وَتَعَدِّيًا، وَخَصَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَيْضًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَخُونَ، وَلَكِنْ هُوَ أَعْظَمُ حُرْمَةً.

1 في أ: لا إقلال.

2 الصفي من الغنيمة: ما اختاره الرئيس لنفسه قبل القسمة.

3 لا يبوعه: لا يجاربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت