فهرس الكتاب
قُلْنَا: هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ جَدًّا وَلَمْ يَكُنْ ذَا جَدٍّ1 فَمَاذَا يَنْفَعُهُ جَدُّ النَّسَبِ وَجَدُّ الْبَخْتِ فَائِتٌ؟ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ الرَّجُلَ لِيَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً لِتَنْبُتَ لِحْيَتُهُ لِيَشِيبَ وَهُوَ ضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْإِعْطَاءِ2.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْت جَدَّةً لَهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَلَعَلَّ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ أَقْرَبُ مِنْهُ فِي الرِّجَالِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إذَا سَلَّمَ الْمَالَ إلَيْهِ بِوَجْهِ الرُّشْدِ، ثُمَّ عَادَ إلَى السَّفَهِ بِظُهُورِ تَبْذِيرٍ وَقِلَّةِ تَدْبِيرٍ عَادَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَعُودُ؛ لِأَنَّهُ بَالِغٌ عَاقِلٌ بِدَلِيلِ جَوَازِ إقْرَارِهِ فِي الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ. وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [ النساء: 5] .
وَقَالَ: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَحْجُورًا سَفِيهًا أَوْ يَطْرَأَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَيُعَضِّدُ هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ اشْتَرَى ضَيْعَةً3 بِسِتِّينَ أَلْفًا، فَقَالَ عُثْمَانُ: مَا يَسُرّنِي أَنَّهَا لِي بِنَعْلِي، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَلَا تَأْخُذُ عَلَى ابْنِ أَخِيكَ وَتَحْجُرُ عَلَيْهِ فِعْلَ كَذَا. فَجَاءَ عَلِيٌّ إلَى عُثْمَانَ لِيَحْجُرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: كَيْف أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ شَرِيكُهُ الزُّبَيْرُ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
فَهَذَانِ خَلِيفَتَانِ قَدْ نَظَرَا فِي هَذَا وَعَزَمَا عَلَى فِعْلِهِ لَوْلَا ظُهُورُ السَّدَادِ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوهَا إسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} .
إسْرَافًا: يَعْنِي مُجَاوَزَةً مِنْ أَمْوَالِكُمْ الَّتِي تَنْبَغِي لَكُمْ إلَى مَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَالْإِسْرَافُ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ الْمُبَاحِ إلَى الْمَحْظُورِ.
1 الجد، هنا: الحظ البخت.
2 في"صحيح مسلم": سئل عن مسائل منها: ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ فأجاب بقوله لهم: إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء فيها، وإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس ذهب عنه اليتم.
3 من هنا إلى صفحة 358 - وهذا كله ليتبين - ساقط في م.