فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 2471

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي؛ لِأَنَّ النَّظَرَ لَهُ؛ فَيَتَعَيَّنُ بِهِ الْأَكْلُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوفُ هُوَ حَقُّ النَّظَرِ؛ وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقَارِضُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَيَأْكُلُ حَظَّهُ مِنْ الرِّبْحِ، فَكَذَلِكَ يَأْخُذُ مِنْ صَمِيمِ الْمَالِ بِمِقْدَارِ النَّظَرِ؛ هَذَا إذَا كَانَ فَقِيرًا؛ أَمَّا إذَا كَانَ غَنِيًّا فَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَهُ بِالْعِفَّةِ وَالْكَفِّ عَنْهُ.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَوْلُ عُمَرَ:"أَنَا كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إنْ اسْتَغْنَيْت تَرَكْت"أَلَيْسَ يَجُوزُ لِلْغَنِيِّ الْأَكْلُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ كَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ إنْ كَانَ غَنِيًّا الْأَكْلُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ؟ قُلْنَا عَنْهُ جَوَابَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ: أَنَا كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إنْ اسْتَغْنَيْت دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَيْسَ كَالْوَصِيِّ، وَلَكِنَّ عُمَرَ بِوَرَعِهِ جَعَلَ نَفْسَهُ كَالْوَصِيِّ.

الثَّانِي: أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُهُ الْخُلَفَاءُ وَالْوُلَاةُ وَالْفُقَهَاءُ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ لِنَازِلِهِمْ وَمُنْتَابِهِمْ؛ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَفْعَلُونَهُ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ، فَكَيْف تَجِبُ الْأُجْرَةُ لَهُمْ؛ وَهُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ، وَالْفَرْضِيَّةُ تَنْفِي الْأُجْرَةَ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ عَمَلًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَعَمَلِ الْخُلَفَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ وَالسُّعَاةِ وَالْمُعَلِّمِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَنْ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِهَذَا كُلِّهِ؟:

قَالَ عُلَمَاؤُنَا: كَانَ الْأَيْتَامُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى قِسْمَيْنِ: [ الْأَوَّلُ ] : يَتِيمٌ مَعْهُودٌ بِهِ، كَقَوْلِ سَعْدٍ: هُوَ ابْنُ أَخِي عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ.

الثَّانِي1: مَكْفُولٌ بِقَرَابَةٍ أَوْ جِوَارٍ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْكَافِلَ لَهُ نَاظِرٌ كَمَا لَوْ وَصَّى إلَيْهِ الْأَبُ، إلَّا أَنَّ الْكَافِلَ نَاظِرٌ فِي حِفْظِ الْمَوْجُودِ، وَالْمَعْهُودُ إلَيْهِ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ فِي التَّصَرُّفِ الْمُطْلَقِ؛ فَإِنْ كَانَ الْيَتِيمُ عَرِيًّا عَنْ كَافِلٍ وَوَصِيٍّ فَالْمُخَاطَبُ وَلِيُّ الْأَوْلِيَاءِ، وَهُوَ السُّلْطَانُ؛ فَهُوَ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ، وَهُوَ وَلِيٌّ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ، فَصَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: يَا مَنْ إلَيْهِ يَتِيمٌ بِكَفَالَةٍ أَوْ عَهْدٍ أَوْ وِلَايَةٍ عَامَّةٍ، افْعَلْ كَذَا.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فِي قَوْله تَعَالَى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ وَالْكَافِلِ أَنْ يَحْفَظَ الصَّبِيَّ فِي بَدَنِهِ وَمَالِهِ؛ إذْ لَا يَصِحُّ الِابْتِلَاءُ إلَّا بِذَلِكَ، فَالْمَالُ يَحْفَظُهُ بِضَبْطِهِ وَالْبَدَنُ يَحْفَظُهُ بِأَدَبِهِ.

1 عد قوله: يتيم معهود به - أول القسمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت