الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ صَدَاقٌ، وَكَيْفَ يَجُوزُ هَذَا وَنِكَاحٌ بِغَيْرِ صَدَاقٍ سِفَاحٌ؟ وَبَالَغَ فِي الرَّدِّ، وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ نِكَاحَ كُلِّ امْرَأَةٍ، فَقَرَنَهُ بِذَكَرِ الصَّدَاقِ فَقَالَ فِي الْإِمَاءِ: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [المائدة: 4] . وَقَالَ أَيْضًا: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الممتحنة: 10] ؛ فَكَيْفَ يَخْلُو عَنْهُ عَقْدُ حُكْمِ الشَّرْعِ1 فِيهِ بِأَنْ يَجِبَ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ سَكَتَ فِي الْعَقْدِ عَنْهُ لَوَجَبَ بِالْوَطْءِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ تَعَرَّضَ الْحَنَفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ لِلرَّدِّ عَلَى إسْمَاعِيلَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي كِتَابِ"أَحْكَامِ الْقُرْآنِ"لَهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ الْهَرَّاسُ فِي كِتَابِ"أَحْكَامِ الْقُرْآنِ"، فَتَعَرَّضُوا2 لِلِارْتِقَاءِ فِي صُفُوفِهِ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ.
قَالَ الرَّازِيّ: يَجِبُ الْمَهْرُ وَيَسْقُطُ؛ لِئَلَّا تَكُونَ اسْتِبَاحَةُ الْبُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَيَسْقُطُ فِي الثَّانِي حِينَ يَسْتَحِقُّهُ الْمَوْلَى، لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ3، وَالْمَوْلَى هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ مَالَهَا وَلَا يَثْبُتُ لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الْمَهْرَ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لِشَخْصٍ عَلَى شَخْصٍ، فَمَنْ الَّذِي أَوْجَبَهُ؟ وَعَلَى مَنْ وَجَبَ؟
فَإِنْ قُلْت: وَجَبَ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْعَبْدِ فَهَذَا مُحَالٌ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى عَبْدِهِ، وَوُجُوبِهِ لَا عَلَى أَحَدٍ مُحَالٌ، وَكَمَا أَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ كَذَلِكَ الْمِلْكُ يَقْتَضِي الْإِسْقَاطَ، وَلَيْسَ إيجَابُهُ ضَرُورَةَ الْإِسْقَاطِ، كَمَا يُقَالُ إنَّ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لِلِابْنِ ضَرُورَةَ الْعِتْقِ؛ فَإِنَّ الْعِتْقَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْمِلْكِ، فَأَمَّا إسْقَاطُ الْمَهْرِ فَلَا يَقْتَضِي إثْبَاتَهُ، فَوَجَبَ أَلَّا يَجِبَ بِحَالٍ
وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ أَصْلًا، وَإِذَا4 لَمْ يَمْلِكْ وَلَا بُدَّ مِنْ مَالِكٍ، وَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ مَالِكًا؛ فَامْتَنَعَ لِذَلِكَ، وَعَادَ الْكَلَامُ إلَى أَصْلٍ آخَرَ؛ وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ هَلْ يَمْلِكُ أَمْ لَا؟
1 في ل: حكم الله عز وجل فيه بأن يجب.
2 في ل فتعلقوا للارتقاء في صعود بغير تمهيد. وفي أ: للارتقاء في صفوفه بغير تمييز.
3 في ل لا تملك.
4 في أ: وكذا.