وَأَمَّا قَوْلُهُ: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً} [النور: 3] ، فَهِيَ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ، اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَالْمُتَحَصِّلُ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ:
أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تُسَافِحُ وَتَشْتَرِطُ لَهُ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ كُنَّ نِسَاءٌ مَعْلُومَاتٌ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ فَيَتَزَوَّجْنَ الرَّجُلَ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لِتُنْفِقَ الْمَرْأَةُ مِنْهُنَّ عَلَيْهِ، فَنَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَنَحْوُهُ عَنْ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ عَنْ بَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ كَرَايَةِ الْبَيْطَارِ، وَكَانَتْ بُيُوتُهُنَّ تُسَمَّى الْمَوَاخِيرَ، لَا يَدْخُلُ إلَيْهِنَّ إلَّا زَانٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَوْ مُشْرِكٍ، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
الثَّالِثُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يَزْنِي الزَّانِي إلَّا بِزَانِيَةٍ مِثْلِهِ أَوْ مُشْرِكَةٍ، وَنَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.
الرَّابِعُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} . وَقَالَ أَنَسٌ: مِنْ أَيَامَى الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ أَكَّدَ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَكَانَ رَجُلٌ يَحْمِلُ الْأَسْرَى مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمْ الْمَدِينَةَ. قَالَ: وَكَانَتْ امْرَأَةُ بَغْيٍ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهَا، وَإِنَّهُ وَاعَدَ رَجُلًا مِنْ أَسْرَى مَكَّةَ يَحْمِلُهُ. قَالَ: فَجِئْت حَتَّى انْتَهَيْت إلَى ظِلِّ حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ قَالَ: فَجَاءَتْ عَنَاقُ فَأَبْصَرَتْ سَوَادَ ظِلِّي بِجَنْبِ الْحَائِطِ، فَلَمَّا انْتَهَتْ إلَيَّ عَرَفَتْنِي، فَقَالَتْ: مَرْثَدٌ، فَقُلْت: مَرْثَدٌ. فَقَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، هَلُمَّ فَبِتْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ. قَالَ: قُلْت: يَا عَنَاقُ، حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنَا قَالَتْ: يَا أَهْلَ الْخِيَامِ، هَذَا الرَّجُلُ يَحْمِلُ أَسْرَاكُمْ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَأَنْكِحُ عَنَاقَ؟ فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَا مَرْثَدُ، الزَّانِي لَا يَنْكِحُ"وَقَرَأَهَا إلَى آخِرِهَا، وَقَالَ لَهُ:"فَلَا تَنْكِحْهَا".
فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَغَايَا مَعْلُومَاتٍ فَكَلَامٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ مَعْنَاهُ الزَّانِي لَا يُزَانِي إلَّا زَانِيَةً فَمَا أَصَابَ فِيهِ غَيْرَهُ، وَهِيَ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ مُعَلِّمِهِ الْمُعَظَّمِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يَنْكِحُ الْمَحْدُودُ إلَّا مَحْدُودَةً، وَهُوَ الْحَسَنُ، يُرِيدُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: الزَّانِيَةُ