فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 2471

هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا فِي مَوْضِعَيْنِ، فَلْنَجْمَعْ الْكَلَامَ عَلَى الْآيَةِ فِيهَا كُلِّهَا.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا: خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ التَّبَرُّعَاتُ كُلُّهَا، وَإِنَّمَا جَوَّزَ الشَّرْعُ التِّجَارَةَ وَبَقِيَ غَيْرُهَا عَلَى مُقْتَضَى النَّهْيِ حَتَّى نَسَخَهَا قَوْلُهُ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا} ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ الْآيَةَ لَمْ تَقْتَضِ تَحْرِيمَ التَّبَرُّعَاتِ؛ وَإِنَّمَا اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ الْمُعَاوَضَةِ الْفَاسِدَةِ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} :

وَهُوَ حَرْفٌ أُشْكِلَ عَلَى الْعُلَمَاءِ حَتَّى اضْطَرَبَتْ فِيهِ آرَاؤُهُمْ:

قَالَ بَعْضُهُمْ: التَّرَاضِي هُوَ التَّخَايُرُ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَشُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَتَعَلَّقُوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ:"الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ"1.

وَقَالَ آخَرُونَ: إذَا تَوَاجَبَا بِالْقَوْلِ فَقَدْ تَرَاضَيَا، يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالصَّحَابَةُ.

وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ: إلَّا تِجَارَةً تَعَاقَدْتُمُوهَا وَافْتَرَقْتُمْ بِأَبْدَانِكُمْ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ فِيهَا؛ وَهَذِهِ دَعْوَى إنَّمَا يَدُلُّ مُطْلَقُ الْآيَةِ عَلَى التِّجَارَةِ عَلَى الرِّضَا، وَذَلِكَ يَنْقَضِي بِالْعَقْدِ، وَيَنْقَطِعُ بِالتَّوَاجُبِ، وَبَقَاءِ التَّخَايُرِ فِي الْمَجْلِسِ لَا تَشْهَدُ لَهُ الْآيَةُ لَا نُطْقًا وَلَا تَنْبِيهًا، وَكُلُّ آيَةٍ وَرَدَتْ فِي ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْمُدَايِنَةِ وَالْمُعَامَلَةِ إنَّمَا هِيَ مُطْلَقَةٌ لَا ذِكْرَ لِلْمَجْلِسِ فِيهَا وَلَا لِافْتِرَاقِ الْأَبْدَانِ مِنْهَا؛ كَقَوْلِهِ: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] ؛ فَإِذَا عَقَدَ وَلَمْ يُبْرِمْ لَمْ يَكُنْ وَفَاءٌ، وَإِذَا عَقَدَ وَرَجَعَ عَنْ عَقْدِهِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْكَلَامِ وَالسُّكُوتِ فَرْقٌ، بَلْ السُّكُوتُ خَيْرٌ مِنْهُ، لِأَنَّهُ تَعَبٌ2 وَلَا الْتَزَمَ وَلَا أَخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ، فَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ، وَتَقَدَّمَ الْعُذْرُ، وَإِذَا عَقَدَ وَحَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ كَلَامُهُ تَعَبًا وَلَغْوًا، وَمَا الْإِنْسَانُ لَوْلَا اللِّسَانُ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِلِسَانِهِ عَنْ عَقْدِهِ وَرِضَاهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ بَعْدَ هَذَا؟

1"صحيح مسلم":"1163"، وفيه"البيعان".

2 في أ: لم يتعب. والمثبت من ل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت