فهرس الكتاب
قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَا ذَكَرَهُ مَنْ تَقَدَّمَ مُعْتَرَضٌ، وَذَكَرَ ذَلِكَ1، وَاخْتَارَ أَنَّ مَعْنَاهُ يُرْبَطْنَ بِالْهِجَارِ وَهُوَ الْحَبْلُ فِي الْبُيُوتِ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِالْمَضَاجِعِ، إذْ لَيْسَ لِكَلِمَةِ {اُهْجُرُوهُنَّ} إلَّا أَحَدُ ثَلَاثَةِ مَعَانٍ. فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْهَجْرِ الَّذِي هُوَ الْهَذَيَانُ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُدَاوَى بِذَلِكَ، وَلَا مِنْ الْهَجْرِ الَّذِي هُوَ مُسْتَفْحَشٌ مِنْ الْقَوْلِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِهِ؛ فَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ إلَّا أَنْ تَرْبِطُوهُنَّ بِالْهِجَارِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَا لَهَا هَفْوَةٌ مِنْ عَالِمٍ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنِّي لَأَعْجَبَكُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ إنَّ الَّذِي أَجْرَأَهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُصَرِّحَ بِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ، هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ امْرَأَةَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ كَانَتْ تَخْرُجُ حَتَّى عُوتِبَ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَعَتَبَ عَلَيْهَا وَعَلَى ضَرَّتِهَا، فَعَقَدَ شَعْرَ وَاحِدَةٍ بِالْأُخْرَى، وَضَرَبَهُمَا ضَرْبًا شَدِيدًا، وَكَانَتْ الضَّرَّةُ أَحْسَنُ اتِّقَاءً، وَكَانَتْ أَسْمَاءُ لَا تَتَّقِي؛ فَكَانَ الضَّرْبُ بِهَا أَكْثَرَ وَآثَرَ؛ فَشَكَتْهُ إلَى أَبِيهَا أَبِي بَكْرٍ؛ فَقَالَ لَهَا: أَيْ بُنَيَّةَ اصْبِرِي؛ فَإِنَّ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ زَوْجَكِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ إذَا ابْتَكَرَ بِالْمَرْأَةِ2 تَزَوَّجَهَا فِي الْجَنَّةِ. فَرَأَى الرَّبْطَ وَالْعَقْدَ مَعَ احْتِمَالِ اللَّفْظِ مَعَ فِعْلِ الزُّبَيْرَ، فَأَقْدَمَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لِذَلِكَ.
وَعَجَبًا لَهُ مَعَ تَبَحُّرِهِ فِي الْعُلُومِ وَفِي لُغَةِ الْعَرَبِ كَيْفَ بَعُدَ عَلَيْهِ صَوَابُ الْقَوْلِ، وَحَادَ عَنْ سَدَادِ النَّظَرِ؛ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مِنْ أَخْذِ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ الْمُفْضِيَةِ بِسَالِكِهَا إلَى السَّدَادِ؛ فَنَظَرْنَا فِي مَوَارِدِ"هـ ج ر"فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى هَذَا النِّظَامِ فَوَجَدْنَاهَا سَبْعَةً: ضِدَّ الْوَصْلِ. مَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْقَوْلِ. مُجَانَبَةُ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ الْهَجْرَةُ. هَذَيَانُ الْمَرِيضِ. انْتِصَافُ النَّهَارِ. الشَّابُّ3 الْحَسَنِ. الْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ فِي حِقْوِ الْبَعِيرِ ثُمَّ يُشَدُّ فِي أَحَدِ رُسْغَيْهِ. وَنَظَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَوَارِدِ فَأَلْفَيْنَاهَا تَدُورُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْبَعْدُ عَنْ الشَّيْءِ فَالْهَجْرُ قَدْ بَعُدَ عَنْ الْوَصْلِ الَّذِي يَنْبَغِي مِنْ الْأُلْفَةِ وَجَمِيلِ الصُّحْبَةِ، وَمَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْقَوْلِ قَدْ بَعُدَ عَنْ الصَّوَابِ، وَمُجَانَبَةُ الشَّيْءِ بُعْدٌ مِنْهُ وَأَخْذٌ فِي جَانِبٍ آخَرَ عَنْهُ، وَهَذَيَانُ الْمَرِيضِ قَدْ بَعُدَ عَنْ نِظَامِ الْكَلَامِ، وَانْتِصَافُ النَّهَارِ قَدْ بَعُدَ عَنْ طَرَفَيْهِ الْمَحْمُودَيْنِ فِي اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ وَإِمْكَانِ التَّصَرُّفِ. وَالشَّابُّ الْحَسَنُ قَدْ بَعُدَ عَنْ الْعَابِ4، وَالْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْبَعِيرُ قَدْ أَبْعَدَهُ عَنْ اسْتِرْسَالِهِ فِي تَصَرُّفِهِ وَاسْتِرْسَالِ مَا رُبِطَ عَنْ تَقَلْقُلِهِ وَتَحَرُّكِهِ.
1 في"القرطبي": بعد أن ذكر هذا القول وهو اختيار الطبري وقدح في سائر الأقوال.
2 في"القرطبي": بامرأة.
3 في ل: والشباب.
4 العاب: العيب والذم.