الثَّالِثُ: إذَا قِيلَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ جَوَابَ كِتَابٍ، فَقَالَ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالسَّلَامُ لِهَذِهِ الْآيَةِ: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} . فَاسْتَشْهَدَ مَالِكٌ فِي هَذَا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَدِّ الْجَوَابِ إذَا رَجَعَ الْجَوَابُ عَلَى حَقٍّ. كَمَا رُوِيَ1 رَجَعَ الْمُسْلِمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} : فِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَحْسَنَ مِنْهَا أَيْ الصِّفَةِ، إذَا دَعَا لَك بِالْبَقَاءِ فَقُلْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّهَا أَحْسَنُ مِنْهَا فَإِنَّهَا سُنَّةُ الْآدَمِيَّةِ، وَشَرِيعَةُ الْحَنِيفِيَّةِ.
الثَّانِي: إذَا قَالَ لَك سَلَامٌ عَلَيْك فَقُلْ: وَعَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {أَوْ رُدُّوهَا} :
اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: حَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا فِي السَّلَامِ.
الثَّانِي: أَنَّ أَحْسَنَ مِنْهَا هُوَ فِي الْمُسْلِمِ، وَأَنَّ رُدَّهَا بِعَيْنِهَا هُوَ فِي الْكَافِرِ؛ وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ إذَا سَلَّمُوا عَلَيْك قَالُوا: السَّامُّ عَلَيْكُمْ فَقُولُوا عَلَيْكُمْ". كَذَلِكَ كَانَ سُفْيَانُ يَقُولُهَا. وَالْمُحْدَثُونَ يَقُولُونَ بِالْوَاوِ، وَالصَّوَابُ سُقُوطُ الْوَاوِ؛ لِأَنَّ قَوْلَنَا لَهُمْ: عَلَيْكُمْ رَدٌّ، وَقَوْلَنَا وَعَلَيْكُمْ مُشَارَكَةٌ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَكَانَتْ عَائِشَةُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ الْيَهُودُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَيْك السَّامُّ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"عَلَيْكُمْ"فَفَهِمَتْ عَائِشَةُ قَوْلَهُمْ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَهْلًا يَا عَائِشَةُ"فَقَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:"أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْت عَلَيْكُمْ؟ إنَّهُ يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِي".
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: التَّحِيَّةُ هَاهُنَا الْهَدِيَّةُ، أَرَادَ الْكَرَامَةَ بِالْمَالِ وَالْهِبَةِ قَالَ الشَّاعِرُ:
1 في أ: أرى، وفي ل رد الجواب، أو رجع الجواب.