فهرس الكتاب

الصفحة 593 من 2471

يَأْتِيَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اللَّفْظِ، لَا عَلَى نَفْسِ اللَّفْظِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ1:

.. بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ

إلَّا الْأَوَارِيَ .

فَلَمْ تَدْخُلْ الْأَوَارِي فِي لَفْظِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ دَخَلَتْ فِي مَعْنَاهُ. أَرَادَ: وَمَا بِالرَّبْعِ أَحَدٌ أَيْ غَيْرُ2 مَا كَانَ فِيهِ، أَوْ أَثَرٌ كُلُّهُ ذَاهِبٌ، إلَّا الْأَوَارِيَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا} ؛ الْمَعْنَى مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُفَوِّتَ نَفْسَ مُؤْمِنٍ بِكَسْبِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ قَصْدِهِ إلَى3 وَصْفِهِ؛ فَافْهَمْهُ وَرَكِّبْهُ تَجِدْهُ بَدِيعًا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَرَادَ بَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يُخْرِجَ هَذَا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ؛ وَيَجْعَلَهُ مُتَّصِلًا لِجَهْلِهِ بِاللُّغَةِ وَكَوْنِهِ أَعْجَمِيًّا فِي السَّلَفِ؛ فَقَالَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ. وَفَائِدَتُهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ خَطَأً فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، فَيَا لِلَّهِ، وَيَا لِلْعَالِمِينَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، كَيْفَ يَصِحُّ فِي عَقْلِ عَاقِلٍ أَنْ يَقُولَ: أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ خَطَأً، وَمِنْ شَرْطِ الْإِذْنِ وَالْإِبَاحَةِ الْمُكَلَّفُ وَقَصْدُهُ، وَذَلِكَ ضِدُّ الْخَطَأِ، فَالْكَلَامُ لَا يَتَحَصَّلُ مَعْقُولًا.

ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ أَنْ يُرَى عَلَيْهِ لِبْسَةُ الْمُشْرِكِينَ وَالِانْحِيَازُ إلَيْهِمْ كَقِصَّةِ حُذَيْفَةَ مَعَ أَبِيهِ يَوْمَ أُحُدٍ. قُلْنَا لَهُ: هَذَا هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ وَقَعَ خِلَافَ الْقَصْدِ، وَهُوَ قَصْدٌ إلَى مُشْرِكٍ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ؛ فَهَذَا لَا يُدْخِلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا.

ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً} يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا يُبَاحُ لَهُ إذَا وُجِدَ شَرْطُ الْإِبَاحَةِ، وَشَرْطُ الْإِبَاحَةِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ التَّهَافُتِ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ مَا يُغْنِي عَنْ رَدِّهِ. وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ: شَرْطُ إبَاحَةِ الْقَتْلِ أَنْ لَا يَقْصِدَ، لَاهُمَّ إلَّا أَنَّ كَوْنَ الْمُقَلِّدِ أَلَمَّ بِقَوْلِ الْمُبْتَدِعَةِ: إنَّ الْمَأْمُورَ لَا يُعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا إلَّا بَعْدَ تَقَضِّي الِامْتِثَالِ وَمُضَائِهِ؛ فَالِاخْتِلَالُ فِي الْمَقَالِ وَاحِدٌ وَالرَّدُّ وَاحِدٌ، فَلْتَلْحَظْهُ فِي أُصُولِهِ الَّتِي صَنَّفَ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ؛ ثُمَّ أَبْطَلَ هُوَ هَذَا وَكَانَ فِي غِنًى عَنْ ذِكْرِهِ وَإِبْطَالِهِ.

1 من بيتين للنابغة هما:

وقفت بها أصيلانا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد

إلَّا الْأَوَارِيَ لأيا ما أبينها و النؤي كالحوض بالمظلومة الجلد

"ديوان النابغة":"2"، وفيه إلا أواري.

2 ليس في ل.

3 هكذا في الأصول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت