فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ1: إنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي مَغَازِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ؛ فَلَمَّا عَلَاهُ بِالسَّيْفِ قَالَ الْمُشْرِكُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: إنَّمَا يَتَعَوَّذُ بِهَا مِنْ الْقَتْلِ؛ فَأَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كَيْفَ لَك بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ"؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا يَتَعَوَّذُ. فَمَا زَالَ يُعِيدُهَا عَلَيْهِ:"كَيْفَ لَك بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ"؟"فَقَالَ الرَّجُلُ: وَدِدْت أَنِّي أَسْلَمْت ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَنَّهُ يَبْطُلُ مَا كَانَ لِي مِنْ عَمَلٍ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَنِّي اسْتَأْنَفْت الْعَمَلَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ."
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ مُطْلَقًا هُوَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ، أَصْلُهُ أَبُو ظَبْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ، رَوَاهُ عَنْهُ الْأَعْمَشُ، وَحُصَيْنُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ اسْمَ الَّذِي قَتَلَهُ أُسَامَةُ مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكٍ.
الثَّانِي: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: بَعَثَ2 النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَلِّمَ بْنَ جَثَّامَةَ، فَلَقِيَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ، فَحَيَّاهُمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا إحْنَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَرَمَاهُ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَجَاءَ مُحَلِّمُ3 بْنُ جَثَّامَةَ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِرَ اللَّهَ، فَقَالَ:"لَا غَفَرَ اللَّهُ لَك"، فَقَامَ وَهُوَ يَتَلَقَّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَتِهِ، فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى دَفَنُوهُ وَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ:"إنَّ الْأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُعَظِّمَ مِنْ حُرْمَتِكُمْ"فَرَمَوْهُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مِنْ الْحِجَارَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّه سُبْحَانَهُ الْآيَةَ.
الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقِيَ نَاسٌ رَجُلًا فِي غَنِيمَةٍ لَهُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغَنِيمَةَ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ.
الرَّابِعُ: قَالَ قَتَادَةُ: أَغَارَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُ: إنِّي مُسْلِمٌ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ الْمِقْدَادُ، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْخَامِسُ.
1"أسباب النزول":"99"، و"القرطبي":"5/336".
2"ابن كثير":"1/538".
3 في أ: مسلم.