وَتَعَلَّقُوا بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْصُرُ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحٍ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا أَنْوَاعَهُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ} وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ سَفَرٍ وَسَفَرٍ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ يَقْصُرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ، حَتَّى فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ، بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ بِعَيْنِهِ.
وَتَعَلَّقُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ1:"فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَتْ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى أَصْلِهَا".
السَّادِسُ: أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ الْخَوْفِ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَائِشَةُ قَالَتْ: أَتِمُّوا، فَقَالُوا لَهَا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْصُرُ. قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي حَرْبٍ، وَكَانَ يَخَافُ؛ فَهَلْ تَخَافُونَ أَنْتُمْ؟.
أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ عُمُومَ الْقُرْآنِ لَمْ يَخُصَّ مِنْهَا وَاجِبًا مِنْ نَدْبٍ، وَقَدْ قَصَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ، كَالْعُمْرَةِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا تَقْصُرْ إلَّا فِي سَفَرِ قُرْبَةٍ فَعُمُومُ الْقُرْآنِ أَيْضًا يَقْضِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ قُرْبَةً مِنْ مُبَاحٍ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ: الصَّحِيحُ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَقْصُرُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَلِأَنَّهَا فَرْضٌ مُعَيَّنٌ لِلسَّفَرِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَعَلَّقَتْ لَهُمْ مِنْ أَقْوَالِ الْعِرَاقِيِّينَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ"التَّلْخِيصِ"وَغَيْرِهِ فَسَادهَا. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالْحَدِيثِ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ، يُعَارِضُهُ نَصُّ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ فِي كِتَابِهِ الْقَصْرَ تَخْفِيفًا، وَالتَّمَامَ أَصْلًا، وَيُعَارِضُ أَيْضًا الْأُصُولَ الْمَعْقُولَةَ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْإِقَامَةَ فِي الْقُرْآنِ أَصْلًا، وَهُوَ الْوَاجِبُ وَقَلَبَهَا فِي الْحَدِيثِ الرَّاوِي.
وَأَقْوَاهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ:"سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَرَ وَأَتْمَمْت، وَأَفْطَرَ وَصُمْت، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ"، وَكَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ.
وَأَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ فَأَشْكَلُ دَلِيلٍ فِيهِ لَهُمْ أَنْ قَالُوا: إنَّا بَنَيْنَا الْأَمْرَ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ
1"ابن ماجة":"339"،"البخاري":"2/456"، وفيه: فأتممت صلاة الحضر.