الْمُعْجَمَةِ، وَكِلَاهُمَا فِي الِاسْمِ سَوَاءٌ، إنَّ الْأُوَلَ قَالُوا هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ مَسِيحُ الْهُدَى الصَّالِحُ السَّلِيمُ، وَالْآخَرُ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ الْأَعْوَرُ الدَّجَّالُ الْكَافِرُ، فَاعْلَمُوهُ تَرْشُدُوا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} :
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ:
الْأُولَى: أَنَّهَا نَفْخَةٌ نَفَخَهَا جِبْرِيلُ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا، وَسُمِّيَتْ النَّفْخَةُ رُوحًا لِأَنَّهَا تَكُونُ عَنْ الرِّيحِ.
الثَّانِي: أَنَّ الرُّوحَ الْحَيَاةُ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْمُقْسِطِ وَالْمُشْكَلَيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى رُوحٍ رَحْمَةٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الرُّوحَ صُورَةٌ؛ لِمَا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ ذُرِّيَّتَهُ، وَصَوَّرَهُمْ، ثُمَّ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، أَلَسْت بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. ثُمَّ أَنْشَأَهُمْ كَرَّةً أَطْوَارًا، أَوْ جَعَلَ لَهُمْ الدُّنْيَا قَرَارًا؛ فَعِيسَى مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ أَدْخَلَهُ فِي مَرْيَمَ. وَاخْتَارَ هَذَا أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ.
وَقِيلَ فِي الْخَامِسِ: رُوحُ صُورَةٍ صَوَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً وَجَّهَهَا فِي مَرْيَمَ.
وَقِيلَ فِي السَّادِسِ: سِرُّ رُوحٍ مِنْهُ يَعْنِي جِبْرِيلَ، وَهُوَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَلْقَاهَا إلَيْهِ رُوحٌ مِنْهُ أَيْ إلْقَاءٌ الْكَلِمَةِ كَانَ مِنْ اللَّهِ ثُمَّ مِنْ جِبْرِيلَ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ غَيْرُ بَعِيدَةٍ مِنْ الصَّوَابِ.
قَالَ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ: وَبَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي الْمُشْكَلَيْنِ، لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْآنَ مِنْ الْأَحْكَامِ مَسْأَلَةٌ؛ وَهِيَ: إذَا قَالَ لِزَوْجِهِ: رُوحُك طَالِقٌ؛ فَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: حَيَاتُك طَالِقٌ، فِيهَا قَوْلَانِ. وَكَذَلِكَ مِثْلُهُ كَلَامُك طَالِقٌ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ كَاخْتِلَافِنَا، وَاسْتَمَرَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا إذَا قَالَ لَهَا: كَلَامُك طَالِقٌ؛ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ. فَإِنَّ الْكَلَامَ حَرَامٌ سَمَاعُهُ، فَهُوَ مِنْ مُحَلِّلَاتِ النِّكَاحِ فَيَلْحَقُهُ الطَّلَاقُ.
وَأَمَّا الرُّوحُ وَالْحَيَاةُ فَلَيْسَ لِلنِّكَاحِ فِيهِمَا مُتَعَلَّقٌ، فَوَجْهُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِتَعْلِيقِهِ عَلَيْهِمَا خَفِيٌّ، وَهُوَ أَنَّ بَدَنَهَا الَّذِي فِيهِ الْمَتَاعُ لَا قِوَامَ لَهُ إلَّا بِالرُّوحِ وَالْحَيَاةِ. وَهُوَ بَاطِنٌ فِيهَا؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: بَاطِنُك طَالِقٌ، فَيُسْرِي الطَّلَاقُ إلَى ظَاهِرِهَا فَإِنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِشَيْءٍ مِنْهَا سَرَى إلَى الْبَاقِي.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَسْرِي، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ كَبِيرَةٌ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: يَدُك طَالِقٌ.