فهرس الكتاب

الصفحة 809 من 2471

رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ1: كُنْت سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَأَمَرَ2 مُنَادِيًا يُنَادِي؛ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ3: اُخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ؛ قَالَ: فَخَرَجْت، فَقُلْت: هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَالَ لِي: اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا، وَكَانَ الْخَمْرُ مِنْ الْفَضِيخِ4. قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ. فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } إلَى قَوْلِهِ: {الْمُحْسِنِينَ} . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ صَحِيحًا عَنْ الْبَرَاءِ أَيْضًا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: نَزَلَتْ الْآيَةُ فِيمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ: إذَا مَا طَعِمُوا؛ فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَسْمِيَةِ الشُّرْبِ طَعَامًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {إذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } إلَى: {الْمُحْسِنِينَ} اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

الْأَوَّلُ: اتَّقَوْا فِي اتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ، وَاتَّقَوْا فِي الثَّبَاتِ عَلَى ذَلِكَ، وَاتَّقَوْا فِي لُزُومِ النَّوَافِلِ؛ وَهُوَ الْإِحْسَانُ إلَى آخِرِ الْعُمْرِ.

الثَّانِي: اتَّقَوْا قَبْلَ التَّحْرِيمِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا بَعْدَ تَحْرِيمِهَا شُرْبَهَا، ثُمَّ اتَّقَوْا فِي الَّذِي بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ، فَاجْتَنَبُوا الْعَمَلَ الْمُحَرَّمَ.

الثَّالِثُ: اتَّقَوْا الشِّرْكَ، وَآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا الْحَرَامَ، ثُمَّ اتَّقَوْا تَرْكَ الْإِحْسَانِ، فَيَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ.

وَقَدْ صُرِفَتْ فِيهَا أَقْوَالٌ عَلَى قَدْرِ وَظَائِفِ الشَّرِيعَةِ يَكْثُرُ تَعْدَادُهَا.

وَأَشْبَهُهَا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الشُّرَّابَ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَبِالْعِصِيِّ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانُوا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَجْلِدُهُمْ أَرْبَعِينَ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَكَانَ عُمَرُ مِنْ بَعْدِهِ يَجْلِدُهُمْ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَقَدْ شَرِبَ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ

1"أسباب النزول": [120] ، و"القرطبي": [6/ 293] .

2 أي النبي.

3"البخاري": [126] ، و"ابن كثير": [93] .

4 الفضيخ: شراب يتخذ من البسر المفضوخ وحده من غير أن تمسه النار، والمفضوخ هو المشدوخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت