فهرس الكتاب
بِرَفْعِهِ وَتَنْوِينِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمِثْلُ هُوَ الْجَزَاءَ بِعَيْنِهِ، لِوُجُوبِ كَوْنِ الصِّفَةِ عَيْنَ الْمَوْصُوفِ؛ وَسَتَرَى ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ مَشْرُوحًا إنْ شَاءَ اللَّهَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {مِنْ النَّعَمِ} :
قَدْ بَيَّنَّا فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ دَرَجَاتِ حَرْفِ مِنْ، وَأَنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا بَيَانُ الْجِنْسِ، كَقَوْلِك: خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدَّمْنَا قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ السَّرَّاجِ فِي شَرْحِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ الَّذِي أَوْقَفَنَا عَلَيْهِ شَيْخُ السُّنَّةِ فِي وَقْتِهِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَضْرَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهَا لَا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ بِحَالٍ، وَلَا فِي مَوْضِعٍ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّبْعِيضُ فِيهَا بِالْقَرِينَةِ، فَجَاءَتْ مُقْتَرِنَةً بِقَوْلِهِ: {مِنْ النَّعَمِ} لِبَيَانِ جِنْسٍ مِثْلِ الْمَقْتُولِ الْمُفْدَى1، وَأَنَّهُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} :
قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وَمِثْلُ الشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ2 وَهُوَ شَبَهُهُ فِي الْخِلْقَةِ الظَّاهِرَةِ، وَيَكُونُ مِثْلَهُ فِي مَعْنًى، وَهُوَ مَجَازُهُ؛ فَإِذَا أُطْلِقَ الْمِثْلُ اقْتَضَى بِظَاهِرِهِ حَمْلَهُ عَلَى الشَّبَهِ الصُّورِيِّ دُونَ الْمَعْنَى3، لِوُجُوبِ الِابْتِدَاءِ بِالْحَقِيقَةِ فِي مُطْلَقِ الْأَلْفَاظِ قَبْلَ الْمَجَازِ حَتَّى يَقْتَضِيَ الدَّلِيلُ مَا يَقْضِي فِيهِ مِنْ صَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ؛ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْمِثْلُ الْخِلْقِيُّ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِالْمِثْلِ. فِي الْقِيمَةِ دُونَ الْخِلْقَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ الْآيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَذَلِكَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمِثْلَ حَقِيقَةً هُوَ الْمِثْلُ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: {مِنْ النَّعَمِ} فَبَيَّنَ جِنْسَ الْمِثْلِ، وَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَ الْمُخَالِفِ بِالنَّعَمِ بِحَالٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَهَذَا ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إلَى مِثْلِ مِنْ النَّعَمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ سِوَاهُ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَيْهِ. وَالْقِيمَةُ الَّتِي يَزْعُمُ الْمُخَالِفُ أَنَّهُ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَيْهَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَاَلَّذِي يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْهَدْيُ مِثْلُ الْمَقْتُولِ مِنْ النَّعَمِ؛ فَأَمَّا الْقِيمَةُ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ هَدْيًا.
1 في ل: المعمول المعدي.
2 في أ: حقيقة.
3 في ل: المعنوي.