الْخَطَّابِ، فَأَخْبَرْته، فَقَالَ: ائْتِ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِك فَلْيَحْكُمَا عَلَيْك فَأَتَيْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدًا، فَحَكَمَا عَلَيَّ بِتَيْسٍ أَعْفَرَ.
وَهُوَ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى فَصْلَ الْقَضَاءِ رَجُلَانِ، وَقَدْ مَنَعَتْهُ الْجَهَلَةُ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ اجْتِهَادِهِمَا يُوجِبُ تَوَقُّفَ الْأَحْكَامِ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ بَعَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إلَى الْيَمَنِ، كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مِخْلَافٍ، وَبَعَثَ أُنَيْسًا إلَى الْمَرْأَةِ الْمَرْجُومَةِ، وَلَمْ يَأْتِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْحُكْمِ إلَّا فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ؛ لِأَجْلِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا خُصُومَةَ فِيهَا، فَإِنْ اتَّفَقَا لَزِمَ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ اخْتَلَفَا نُظِرَ فِي غَيْرِهِمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يَأْخُذُ بِأَرْفَعِ قَوْلِهِمَا؛ يُرِيدُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِغَيْرِ تَحْكِيمٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْتَقِلُ عَنْ الْمِثْلِ الْخِلْقِيِّ، إذَا حَكَمَا بِهِ، إلَى الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ لَزِمَ قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ؛ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا بِالْجَزَاءِ مِنْ الْمِثْلِ فَفَعَلَا، فَأَرَادَ1 أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الطَّعَامِ جَازَ.
وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَجَاوُزٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: إنْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا بِالْمِثْلِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُحَكِّمُهُمَا. ثُمَّ يَنْظُرَانِ فِي الْقَضِيَّةِ، فَمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُمَا لَزِمَهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ. وَهُوَ الثَّانِي لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِحُكْمِهِمَا؛ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِالْتِزَامِهِ لِحُكْمِهِمَا2.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْله تَعَالَى: { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} :
الْمَعْنَى إذَا حَكَمَا بِالْمِثْلِ يَفْعَلُ بِهِ مَا يَفْعَلُ بِالْهَدْيِ، يُقَلِّدُهُ وَيُشْعِرُهُ، وَيُرْسِلُهُ إلَى مَكَّةَ وَيَنْحَرُهُ بِهَا، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ فِيهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ، وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْهَدْيَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْحَرَمِ. وَاخْتُلِفَ هَلْ يُفْتَقَرُ إلَى حِلٍّ مَعَهُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ يَبْتَاعُ بِالْحِلِّ، وَيُقَلِّدُ وَيُشْعِرُ، وَيَدْفَعُ إلَى الْحَرَمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِلِّ.
وَحَقِيقَةُ قَوْله تَعَالَى: {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} يَقْتَضِي أَنْ يَهْدِيَ مِنْ مَكَان يَبْلُغُ مِنْهُ إلَى الْكَعْبَةِ، وَلَمْ يُرِدْ الْكَعْبَةَ بِعَيْنِهَا؛ فَإِنَّ الْهَدْيَ لَا يَبْلُغُهَا، إذْ هِيَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ، وَلِهَذَا قَالَ
1 في ل: وإن أراد.
2 في ل: لأنه نقض تحكيمهما.