فِي الْحَرَمِ فَإِنَّمَا أَتْلَفَ نَفْسًا مُحْتَرَمَةً فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَتْلَفَ جَمَاعَةٌ دَابَّةً، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ دَابَّةً، وَيَشْتَرِكُونَ فِي الْقِيمَةِ، وَهَذَا مِمَّا يَسْتَهِينُ بِهِ عُلَمَاؤُنَا، وَهُوَ عَسِيرُ الِانْفِصَالِ.
وَقَدْ عَوَّلَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مُحْرِمًا بِدُخُولِهِ فِي الْحَرَمِ، كَمَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِتَلْبِيَتِهِ1 بِالْإِحْرَامِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ قَدْ أَكْسَبَهُ صِفَةً تَعَلَّقَ بِهَا نَهْيٌ، فَهُوَ هَاتِكٌ لَهَا فِي الْحَالَيْنِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ أَقْوَى مِنَّا، عَلَى2 أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا: إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَإِنْ قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ3 فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ، وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا جَزَاءَ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ أَصْلًا.
وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ: حُرْمَةُ الْحَرَمِ كَالْإِحْرَامِ، وَاللَّفْظُ فِيهِمَا وَاحِدٌ، يُقَالُ: أَحْرَمَ الرَّجُلُ إذَا تَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ، كَمَا يُقَالُ: أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ فِي الْحَرَمِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَهُ مَنْ أَسْقَطَ الْجَزَاءَ فِيهِ، وَيُضَعَّفُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا لِاقْتِضَاءِ اللَّفْظِ لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ وَعُمُومِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: وَكَذَلِكَ كَفَّارَةُ الْعَبْدِ إذَا أَحْرَمَ أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ كَكَفَّارَةِ الْحُرِّ سَوَاءٌ؛ لَكِنْ يَكُونُ حُكْمُهُ فِي الْكَفَّارَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ مُخْتَلِفَ الْحَالِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي آيَةِ الظِّهَارِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ: إذَا قُوِّمَ الطَّعَامُ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْنَ يُقَوَّمُ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: يُقَوَّمُ فِي مَوْضِعِ الْجِنَايَةِ؛ قَالَهُ حَمَّادٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَسِوَاهُمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقَوَّمُ حَيْثُ يُكَفِّرُ بِمَكَّةَ. وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ.
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُعْتَبَرُ بِهِ قِيمَةُ الْمُتْلَفِ؛ فَقَالَ قَوْمٌ: يَوْمَ الْإِتْلَافِ. وَقَالَ آخَرُ: يَوْمَ الْقَضَاءِ. وَقَالَ آخَرُونَ: يَلْزَمُ الْمُتْلِفُ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ الْإِتْلَافِ إلَى يَوْمِ الْحُكْمِ، وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا كَاخْتِلَافِهِمْ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْإِتْلَافِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْوُجُوبَ كَانَ حَقًّا لِلْمُتْلَفِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَعْدَمَهُ الْمُتْلِفُ لَزِمَهُ إيجَادُهُ بِمِثْلِهِ4، وَذَلِكَ فِي وَقْتِ
1 في ل: بتلبسه.
2 في ل: كما.
3 في أ: الحل.
4 في ل: لمثله.