{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29] .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {صَيْدُ الْبَحْرِ} : وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: مَا صِيدَ مِنْهُ عَلَى مَعْنَى تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْفِعْلِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
الثَّانِي: هُوَ حِيتَانُهُ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
الثَّالِثُ: السَّمَكُ الْجَرِيُّ1؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ تَرْجِعُ إلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَهِيَ حِيتَانُهُ تَفْسِيرًا، وَيَرْجِعُ مِنْ طَرِيقِ الِاشْتِقَاقِ إلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا حُووِلَ أَخْذُهُ بِحِيلَةٍ وَعَمَلٍ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: مَا صِيدَ مِنْهُ، وَهُوَ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أُحِلَّ لَكُمْ أَخْذُ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ الْحِيتَانِ بِالْمُحَاوَلَةِ، وَأُحِلَّ لَكُمْ طَعَامُهُ، وَهُوَ مَا أُخِذَ بِغَيْرِ مُحَاوَلَةٍ وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ بِغَيْرِ مُحَاوَلَةٍ وَلَا حِيلَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا طَفَا عَلَيْهِ مَيْتًا.
وَالثَّانِي: مَا جَزَرَ2 عَنْهُ الْمَاءُ، فَأَخَذَهُ النَّاسُ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَطَعَامُهُ} عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: مَا جَزَرَ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: مَا طَفَا عَلَيْهِ؛ قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَقَتَادَةُ، وَهِيَ رِوَايَةُ مَعْنٍ عَنْ سُفْيَانَ3، قَالَ: صَيْدُ الْبَحْرِ مَا صِيدَ، وَطَعَامُهُ مَيْتَتُهُ.
الثَّالِثُ: مَمْلُوحُهُ4؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ"
1 الجري: ضرب من السمك في ظهره طول، وفي فمه سعة، وليس له عظم إلا عظم اللحيين والسلسلة.
2 أي: انحسر.
3 في ل: عن مالك.
4 في"القرطبي": ملحه.