كَالْإِمْسَاكِ وَالشِّرَاءِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِمَا.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَلِأَنَّ الْمَقَامَ فِي الْحَرَمِ يَدُومُ، وَالْإِحْرَامُ يَنْقَطِعُ، فَلَوْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ لَأَدَّى إلَى مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَسَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ فِيهِ لِذَلِكَ.
وَهَذَا مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَصَالِحِ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالْمَصْلَحَةُ مِنْ أَقْوَى أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: إذَا كَانَ الْمُحْرِمُ مُحْرِمًا بِدُخُولِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِاصْطِيَادُ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -1:"اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ عَبْدُك وَخَلِيلُك حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ؛ لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا2 وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا".
وَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ، خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ: وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: إذَا صَادَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ آثِمًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ إنْ قَتَلَهُ بِهَا.
وَقَالَ سَعْدٌ: جَزَاؤُهُ أَخْذُ سَلَبِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
أَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ: فَإِنَّ مُسْلِمًا خَرَّجَ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا صَادَ بِالْمَدِينَةِ فَلَقِيَهُ سَعْدٌ فَأَخَذَ سَلَبَهُ فَكُلِّمَ فِي رَدِّهِ، فَقَالَ: مَا كُنْت لِأَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ وَهَذَا مَخْصُوصٌ بِسَعْدٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ مَنْ لَقِيَ صَائِدًا بِالْمَدِينَةِ فَلْيَسْتَلِبْهُ ثِيَابَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
وَأَمَّا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ حَرَمٌ، فَكَانَ الْجَزَاءُ عَلَى مَنْ قَتَلَ فِيهِ صَيْدًا، كَمَا يُفْعَلُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ.
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَوْ كَانَ حَرَمُ الْمَدِينَةِ كَحَرَمِ مَكَّةَ مَا جَازَ دُخُولُهَا إلَّا بِالْإِحْرَامِ، فَافْتَرَقَا.
وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَزَاءَ الْمُتَعَدِّي فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ:"مَنْ أَحْدَثَ أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا3".
فَأَرْسَلَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَفَّارَةَ.
1"صحيح مسلم": [991] .
2 العضاهة - بالكسر: أعظم الشجر، أو كل ذات شوك. والجمع: عضاه"القاموس".
3 الصرف: التوبة: والعدل: الفدية، أو هو النافلة، والعدل الفريضة أو بالعكس"القاموس".