فهرس الكتاب

الصفحة 871 من 2471

فَتَرَاجَعْنَا الْقَوْلَ فَكَانَ الَّذِي تَنَخَّلَ مِنْ الْقَوْلِ، وَتَحَصَّلَ مِنْ الْمَعْنَى لُبَابًا أَوْضَحْنَاهُ فِي"شَرْحِ الْحَدِيثِ"1 الصَّحِيحِ، الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ لَهُمْ أَعْمَالٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ سَرْدُهُ؛ وَذَلِكَ لَا يَلْحَقُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ، وَلَا يُدَانِي شَأْوَهُمْ فِيهَا بَشَرٌ، وَالْأَعْمَالُ سِوَاهَا مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ يُسَاوِيهِمْ فِيهَا فِي الْأَجْرِ مَنْ أَخْلَصَ إخْلَاصَهُمْ، وَخَلَّصَهَا مِنْ شَوَائِبِ الْبِدَعِ وَالرِّيَاءِ بَعْدَهُمْ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ بَابٌ عَظِيمٌ هُوَ ابْتِدَاءُ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ، وَهُوَ أَيْضًا انْتِهَاؤُهُ؛ وَقَدْ كَانَ قَلِيلًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، صَعْبَ الْمَرَامِ لِغَلَبَةِ الْكُفَّارِ عَلَى الْحَقِّ، وَفِي آخِرِ الزَّمَانِ أَيْضًا يَعُودُ كَذَلِكَ2 بِوَعْدِ الصَّادِقِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفَسَادِ الزَّمَانِ، وَظُهُورِ الْفِتَنِ، وَغَلَبَةِ الْبَاطِلِ، وَاسْتِيلَاءِ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ عَلَى الْحَقِّ مِنْ الْخَلْقِ، وَرُكُوبِ مَنْ يَأْتِي سَنَنَ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-3:"لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ لَدَخَلْتُمُوهُ". وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ4 كَمَا بَدَأَ".

قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَلَا بُدَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحُكْمِ هَذَا الْوَعْدِ الصَّادِقِ أَنْ يَرْجِعَ الْإِسْلَامُ إلَى وَاحِدٍ كَمَا بَدَأَ مِنْ وَاحِدٍ، وَيَضْعُفَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إذَا قَامَ بِهِ قَائِمٌ مَعَ احْتِوَاشِهِ بِالْمَخَاوِفِ، وَبَاعَ نَفْسَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّعَاءِ إلَيْهِ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ أَضْعَافُ مَا كَانَ لِمَنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ، مُعَانًا عَلَيْهِ بِكَثْرَةِ الدُّعَاةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ:

"لِأَنَّكُمْ تَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا وَهُمْ لَا يَجِدُونَ إلَيْهِ أَعْوَانً ا"حَتَّى يَنْقَطِعَ ذَلِكَ انْقِطَاعًا بَاتًّا، لِضَعْفِ الْيَقِينِ، وَقِلَّةِ الدِّينِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ". يُرْوَى بِرَفْعِ الْهَاءِ وَنَصْبِهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ، فَإِنْ رُوِيَتْ بِرَفْعِ الْهَاءِ كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يَبْقَى مُوَحِّدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِذَا نَصَبْت الْهَاءَ كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يَبْقَى آمِرٌ بِمَعْرُوفٍ، وَلَا نَاهٍ عَنْ مُنْكَرٍ يَقُولُ: خَافُوا اللَّهَ، وَحِينَئِذٍ يَتَمَنَّى الْعَاقِلُ الْمَوْتَ، كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ5 فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ".

1 من ل.

2 في ل: ذلك.

3"صحيح مسلم": [2054] ، وفيه: لتتبعن والسنن: الطريق. والمراد بالشبر وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم.

4 في ل: وسيعود غريبًا.

5 في ل: أخيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت