الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {بَيْنِكُمْ} :
قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: مَعْنَاهُ شَهَادَةُ مَا بَيْنِكُمْ، فَحُذِفَتْ مَا، وَأُضِيفَتْ الشَّهَادَةُ إلَى الظَّرْفِ، اُسْتُعْمِلَ الْبَيْنُ اسْمًا عَلَى الْحَقِيقَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33] . وَأَنْشَدُوا:
تُصَافِحُ مَنْ لَاقَيْت لِي ذَا عَدَاوَةٍ صِفَاحًا وَعَنِّي غَيْبُ1 عَيْنَيْك مُنْزَوِي
وَأَنْشَدُوا:
وَأَهْلُ خِبَاءٍ صَالِحٌ ذَاتُ بَيْنِهِمْ قَدْ احْتَرَبُوا فِي عَاجِلٍ أَتَى آجِلُهُ
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ بَيْنَ فِي أَصْلِهِ مَصْدَرُ قَوْلِك: بَانَ يَبِينُ بَيْنًا أَيْ فَارَقَ مَا كَانَ مُجْتَمِعًا مَعَهُ، وَانْفَصَلَ عَمَّا كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ". الْمَعْنَى مَا فُصِلَ مِنْ أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ عَنْهُ حَالَ حَيَاتِهِ فَهُوَ مَيْتَةٌ يَعْنِي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ؛ وَاسْتُعْمِلَ ظَرْفًا عَلَى مَعْنَى الصَّدْر، وَهُوَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّحْوِ، تَقُولُ: بَيْنَ الدَّارِ وَالْمَسْجِدِ مَسَافَةٌ. وَلَوْ كَانَا مُجْتَمِعَيْنِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيْنٌ، أَيْ مَوْضِعٌ خَالٍ مِنْهُمَا. وَمَا كَانَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: اجْتِمَاعُ أَجْسَامٍ، وَاجْتِمَاعُ مَعَانٍ، وَهِيَ الْأَخْلَاقُ وَالْأَهْوَاءُ جَعَلَ افْتِرَاقَ الْأَهْوَاءِ كَافْتِرَاقِ الْأَجْسَامِ، وَاسْتَعْمَلَ فِيهِ بَيْنَ الَّذِي هُوَ الِافْتِرَاقُ فِيهِمَا جَمِيعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِك حِجَابٌ} [فصلت: 5] . وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَحِمٌ، أَيْ مَا افْتَرَقْنَا إلَّا عَنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ. وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ شَرِكَةٌ أَيْ افْتَرَقْنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا عَنْ جَمْعِ الْمَالِ الْمَخْصُوصِ.
فَقَالَ أَهْلُ الصِّنَاعَةِ: هُوَ مَصْدَرٌ فِي الْمَعَانِي، ظَرْفٌ فِي الْأَجْسَامِ لَمَّا كَانَتْ ذَوَاتُ مِسَاحَاتٍ مَحْسُوسَاتٍ فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَعَانِي، وَالْكُلُّ فِي الْحَقِيقَةِ تَبَايُنٌ وَتَبَاعُدٌ وَفُرْقَةٌ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] مَرْفُوعًا وَمَنْصُوبًا.
الْمَعْنَى: لَقَدْ تَقَطَّعَ تَبَاعُدُكُمْ وَافْتِرَاقُكُمْ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ اتِّصَالٌ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَبِينُ عَلَى قِسْمَيْنِ، مِنْهُ مَا يُرْجَى لَهُ اتِّصَالٌ، وَمِنْهُ مَا لَا يُرْجَى لَهُ اتِّصَالٌ، فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّقَطُّعِ.
1 في"القرطبي": بين.