وَقَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} [المطففين: 2] . وَهَذِهِ دَعَاوَى وَضَرُورَاتٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا، وَلَا يَصِحُّ مُرَادُهُمْ فِي بَعْضِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ مِنْهَا.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ: مَعْنَى الْأَوْلَيَانِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَوْلَى بِالشَّهَادَةِ.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الْأَوْلَى بِالْمَيِّتِ مِنْ الْوَرَثَةِ.
الثَّالِثُ: الْأَوْلَى بِتَحْلِيفِ غَيْرِهِ؛ قَالَهُ ابْنُ فُورَكٍ؛ وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الثَّانِي، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ الْأَوَّلِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: قَوْله تَعَالَى: {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا} :
الْمَعْنَى: لَقَوْلُنَا أَحَقُّ مِنْ قَوْلِهِمَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، وَأَنَّ يَمِينَ الْحَالِفِ لَا تَكُونُ إلَّا بِلَفْظِ الدَّعْوَى. وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ إذَا كَانَتْ بِإِنَّ قَوْلِي أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِك رُبَّمَا وَرَدَ فِي يَمِينِهِ، بِأَنْ يَكُونَ مُدَّعِيهِ قَدْ كَذَبَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكَذَبَ هُوَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَيَلْزَمُ1 التَّصْرِيحُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْكَذِبَ، وَتَحْصُلُ الْمُجَاهَرَةُ إنْ خَالَفَ، لِيَأْتِيَ بِالصِّدْقِ عَلَى وَجْهِهِ؛ فَإِذَا صَحَّ بِالْقَوْلِ فِي الْيَمِينِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَا نَوَى إذَا أَضْمَرَ مِنْ مَعْنَى الْيَمِينِ خِلَافَ الظَّاهِرِ مِنْهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -2:"يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك عَلَيْهِ صَاحِبُك". وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَمَعْنًى قَوِيمٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَرَرْنَاهُ فِي"مَسَائِلِ الْفِقْهِ"3 .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي بَقَاءِ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ ارْتِفَاعِهِ:
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حُكْمُهَا مَنْسُوخٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: حُكْمُهَا ثَابِتٌ، فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ قَالَ: إنَّ الْيَمِينَ الْآنَ لَا تَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اُرْتِيبَ بِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ رِيبَةٌ وَلَا فِي حَالِهِ خُلَّةٌ لَمْ يُحْتَجْ إلَى الْيَمِينِ، وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَنُخْبَتُهُمْ. وَقَدْ قَرَّرَ4 اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَحَقَّقَهُ بِأَمْرِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [ الطلاق:2] . وَ مِمَّنْ
1 في ل: فلا يلزم.
2"صحيح مسلم": [1274] .
3 في ل: الخلاف.
4 في ل:قدر.