فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 2471

وَاحِدًا لَمْ يُقْتَلُوا لَتَعَاوَنَ الْأَعْدَاءُ عَلَى قَتْلِ أَعْدَائِهِمْ بِالِاشْتِرَاكِ فِي قَتْلِهِمْ، وَبَلَغُوا الْأَمَلَ مِنْ التَّشَفِّي مِنْهُمْ.

جَوَابٌ آخَرُ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِصَاصِ قَتْلُ مَنْ قَتَلَ، كَائِنًا مَنْ كَانَ، رَدًّا عَلَى الْعَرَبِ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَ بِمَنْ قَتَلَ مِنْ لَمْ يَقْتُلْ، وَتَقْتُلَ فِي مُقَابَلَةِ الْوَاحِدِ مِائَةً افْتِخَارًا، وَاسْتِظْهَارًا بِالْجَاهِ وَالْمَقْدِرَةِ؛ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُسَاوَاةِ وَالْعَدْلِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقْتَلَ مَنْ قَتَلَ.

جَوَابٌ ثَالِثٌ: أَمَّا قَوْله تَعَالَى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} فَالْمَقْصُودُ هُنَاكَ بَيَانًا لِلْمُقَابَلَةِ فِي الِاسْتِيفَاءِ أَنَّ النَّفْسَ تُؤْخَذُ بِالنَّفْسِ، وَالْأَطْرَافَ بِالْأَطْرَافِ، رَدًّا عَلَى مَنْ تَبْلُغُ بِهِ الْحَمِيَّةُ إلَى أَنْ يَأْخُذَ نَفْسَ جَانٍ عَنْ طَرْفِ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ، وَالشَّرِيعَةُ تُبْطِلُ الْحَمِيَّةَ وَتَعْضُدُ الْحِمَايَةَ.

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] إلَى آخِرِهَا.

قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذَا قَوْلٌ مُشْكِلٌ تَبَلَّدَتْ فِيهِ أَلْبَابُ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُقْتَضَاهُ.

فَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: مُوجِبُ الْعَمْدِ الْقَوَدُ خَاصَّةً، وَلَا سَبِيلَ إلَى الدِّيَةِ إلَّا بِرِضًا مِنْ الْقَاتِلِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.

وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ أَنَّ الْوَلِيَّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إنْ شَاءَ قَتَلَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

وَكَاخْتِلَافِهِمْ اخْتَلَفَ مَنْ مَضَى مِنْ السَّلَفِ قَبْلَهُمْ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْعَفْوُ أَنْ تُقْبَلَ الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ، فَيُتْبَعَ بِمَعْرُوفٍ وَتُؤَدَّى إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ"يَعْنِي يُحْسِنُ فِي الطَّلَبِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ، وَلَا تَعْنِيفٍ، وَيُحْسِنُ فِي الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ1 وَلَا تَسْوِيفٍ."

وَنَحْوُهُ عَنْ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالسُّدِّيِّ زَادَ قَتَادَةُ:

بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ بَعِيرًا- يَعْنِي فِي إبِلِ الدِّيَةِ- فَمِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ"، وَكَأَنَّهُ يَعْنِي فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ لَا يُزَادُ عَلَى الدِّيَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الشَّرْعِ.

وَقَالَ مَالِكٌ: تَفْسِيرُهُ مَنْ أُعْطِيَ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا مِنْ الْعَقْلِ2 فَلْيَتْبَعْهُ بِالْمَعْرُوفِ؛ فَعَلَى هَذَا

1 المطل والتسويف: التأخير والتأجيل

2 العقل: الدية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت