إن الكتاب قد تقرر أن كلية الشريعة وعمدة الملة وينبوع الحكمة وآية الرسالة ونور الأبصار والبصائر وأنه لا طريق إلى الله سواه ولا نجاة بغيره ولا تمسك بشيء يخالفه وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه لأنه معلوم من دين الأمة وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره وأنيسه وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي نظرا وعملا لا اقتصارا على أحدهما فيوشك أن يفوز بالبغية وأن يظفر بالطلبة ويجد نفسه من السابقين وفي الرعيل الأول فإن كان قادرا على ذلك ولا يقدر عليه إلا من زوال ما يعينه على ذلك من السنة المبينة للكتاب وإلا فكلام الأئمة السابقين والسلف المتقدمين آخذ بيده في هذا المقصد الشريف والمرتبة المنيفة
وأيضا فمن حيث كان القرآن معجزا أفحم الفصحاء وأعجز البلغاء أن يأتوا بمثله فذلك لا يخرجه عن كونه عربيا جاريا على أساليب كلام العرب ميسرا للفهم فيه عن الله ما أمر به ونهى لكن بشرط الدربة في اللسان العربي كما تبين في - كتاب الاجتهاد إذ لو خرج بالإعجاز عن إدراك العقول معانيه لكان خطابهم به من تكليف ما لا يطاق وذلك مرفوع عن الأمة وهذا من جملة الوجوه الإعجازية فيه إذ من العجب إيراد كلام من جنس كلام البشر في اللسان والمعاني والأساليب مفهوم معقول ثم لا يقدر البشر على الإتيان بسورة مثله ولو اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيرا فهم أقدر ما كانوا على معارضة الأمثال أعجز ما كانوا عن معارضته وقد قال الله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وقال فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر