يكون الشارع طالبا للمشقة بناء على أن القاصد إلى السبب عالما بما يتسب عنه قاصد للمسبب وقد مر تقرير هذه المسألة في كتاب الأحكام فاقتضى أن الشارع قاصد للمشقة هنا
والثالث أن المشقة في الجملة مثاب عليها إذا لحقت في أثناء التكليف مع قطع النظر عن ثواب التكليف كقوله تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله إلى آخر الآية وقوله والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وما جاء في كثرة الخطا إلى المساجد وأن أعظمهم أجرا أبعدهم دارا وما جاء في إسباغ الوضوء على المكارة وقد نبه على ذلك أيضا قوله تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم الآية وذلك لما في القتال من أعظم المشقات حتى قال تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وأشباه ذلك
فإذا كانت المشقات من حيث هى مشقات مثابا عليها زيادة على معتاد التكليف دل على أنها مقصود له وإلا فلو لم يقصدها لم يقع عليها ثواب
كسائر الأمور التى لم يكلف بها فأوقعها المكلف باختياره حسبما هو مذكور في المباح في - كتاب الأحكام فدل هذا كله على قصد الشارع لطلب المشقة بالتكليف
وهو المطلوب
فالجواب عن الأول أن التكليف إذا وجه على المكلف يمكن القصد فيه على وجهين أحدهما أن يقصد إليه من جهة ما هو مشقة والثانى أن يقصد إليه من جهة ما هو مصلحة وخير للمكلف عاجلا وآجلا فأما الثانى فلا شك في أنه مقصود الشارع بالعمل والشريعة كلها ناطقة بذلك كما تقدم أول هذا الكتاب وأما الأول فلا نسلم أنه قصد ذلك والقصد أن لا يلزم اجتماعهما فإن الطبيب يقصد بسقي الدواء المر البشع والإيلام بقصد