وأما المرتبة الخامسة فالتسبب فيها صحيح أيضا لأن صاحبها وإن لم يلتفت إلى السبب من حيث هو سبب ولا إلى المسبب من باب أحرى فلا بد منه من جهة ما هو راق به وملاحظ للمسبب من جهته بدليل الأسباب العبادية
ولأنها إنما صارت قرة عينه لكونها سلما إلى المتعبد إليه بها فلا فارق بين العاديات والعباديات إلا أن صاحب هذه المرتبة مأخوذ في تجريد الأغيار على الجملة فربما رمى من الأسباب بما ليس بضروري واقتصر على ما هو ضروري وضيق على نفسه المجال فيها فرارا من تكاثرها على قلبه حتى يصح له اتحاد الوجهة وإذا كانت الأسباب موصلة إلى المطلوب فلا شك في أخذها في هذه الرتبة إذ من جهتها يصح المطلوب
وأما السادسة فلما كانت جامعة لأشتات ما ذكر قبلها كان ما يشهد لما قبلها شاهدا لها غير أن ذلك فيها معتبرمن جهة صفة العبودية وامتثال الأمر لا من جهة أمر آخر فسواء عليه أكان التكليف ظاهر المصلحة أم غير ظاهرها كل ذلك تحت قصد العبد امتثال أمر الله فإن كان المكلف به مما يرتبط به بعض الوجود أو جميعه كان قصده في امتثال الأمر شاملا له والله أعلم
إيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبب قصد ذلك المسبب أولا لأنه لما جعل مسببا عنه في مجرى العادات عد كأنه فاعل له مباشرة ويشهد لهذا قاعدة مجارى العادات إذ أجرى فيها نسبة المسببات إلى أسبابها كنسبة الشبع إلى الطعام والإرواء إلى الماء والإحراق إلى النار والإسهال إلى السقمونيا وسائر المسببات إلى أسبابها فكذلك الأفعال التى تتسبب عن كسبنا منسوبة