مع العلم بأن الشريعة موضوعة على العموم والإطلاق إلا أن يكون الخصوص الواقع غير مراد وليس في القضية لفظ يستند إليه في إلحاق غير المذكور بالمذكور فأرشدنا ذلك إلى أنه لا بد في كل واقعة وقعت إذ ذاك أن يلحق بها ما في معناها وهو معنى القياس وتأيد بعمل الصحابة رضى الله عنهم فانشرح الصدر لقبوله
ولعل هذا يبسط في - كتاب الأدلة بعد هذا إن شاء الله
ومنها أن كثيرا ممن لم يتحقق بفهم مقاصد الشريعة يظن أن الصوفية جرت على طريقة غير طريقة الجمهور وأنهم امتازوا بأحكام غير الأحكام المبثوثة في الشريعة مستدلين على ذلك بأمور من أقوالهم وأفعالهم ويرشحون ذلك بما يحكى عن بعضهم أنه سئل عما يجب في زكاة كذا فقال على مذهبنا أو على مذهبكم ثم قال أما على مذهبنا فالكل لله وأما على مذهبكم فكذا وكذا
وعند ذلك افترق الناس فيهم فمن مصدق بهذا الظاهر مصرح بأن الصوفية اختصت بشريعة خاصة هى أعلى مما بث في الجمهور ومن مكذب ومشنع يحمل عليهم وينسبهم إلى الخروج عن الطريقة المثلى والمخالفة للسنة وكلا الفريقين في طرف وكل مكلف داخل تحت أحكام الشريعة المبثوثة في الخلق كما تبين آنفا ولكن روح المسألة الفقه في الشريعة حتى يتبين ذلك والله المستعان
ومن ذلك أن كثيرا يتوهمون أن الصوفية أبيح لهم أشياء لم تبح لغيرهم لأنهم ترقوا عن رتبة العوام المنهمكين في الشهوات إلى رتبة الملائكة الذين سلبوا الإتصاف بطلبها والميل إليها فاستجازوا لمن ارتسم في طريقتهم إباحة بعض الممنوعات في الشرع بناء على اختصاصهم عن الجمهور فقد ذكر نحو هذا في سماع الغناء وإن قلنا بالنهي عنه كما أن من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام من استباح شرب الخمر بناء على قصد التداوي بها واستجلاب النشاط في الطاعة لا على قصد التلهي