وانظر إلى ما حكاه ابن حبيب في - كتاب الجهاد وكذلك الداودى في - كتاب الأموال ففيه الشفاء ومحصوله أنهم تركوا المباح من حيث هو مباح ولو كان ترك المباح غير طاعة لما فعلوه
والجواب عن ذلك من أوجه
أحدها أن هذه أولا حكايات أحوال فالاحتجاج بمجردها من غير نظر فيها لا يجدى إذ لا يلزم أن يكون تركهم لما تركوه من ذلك من جهة كونه مباحا لإمكان تركه لغير ذلك من المقاصد وسيأتي إن شاء الله أن حكايات الأحوال بمجردها غير مفيدة في الإحتجاج
والثاني أنها معارضة بمثلها في النقيض فقد كان عليه السلام يحب الحلواء والعسل ويأكل اللحم ويختص بالذراع وكانت تعجبه وكان يستعذب له الماء وينقع له الزبيب والتمر ويتطيب بالمسك ويحب النساء
وأيضا فقد جاء كثير من ذلك عن الصحابة والتابعين والعلماء المتقين بحيث يقتضي أن الترك عندهم كان غير مطلوب والقطع أنه لو كان مطلوب الترك عندهم شرعا لبادروا إليه مبادرتهم لكل نافلة وبر ونيل منزلة ودرجة إذ لم يبادر أحد من الخلق إلى نوافل الخيرات مبادرتهم ولا شارك أحد أخاه المؤمن ممن قرب عهده أو بعد في رفده وماله مشاركتهم يعلم ذلك من طالع سيرهم ومع ذلك فلم يكونوا تاركين للمباحات أصلا ولو كان مطلوبا لعلموه قطعا ولعملوا بمقتضاه مطلقا من غير استثناء لكنهم لم يفعلوا فدل ذلك على أنه عندهم غير مطلوب بل قد أراد بعضهم أن يترك شيئا من المباحات فنهوا عن ذلك وأدلة هذه الجملة كثيرة وانظر في باب المفاضلة بين الفقر