إذا ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية
وذلك على وجه لا يختل لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها أو تخل أحكامها لم يكن التشريع موضوعا لها إذ ليس كونها مصالح إذا ذاك بأولى من كونها مفاسد لكن الشارع قاصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا وكليا وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال وكذلك وجدنا الأمر فيها والحمد لله
وأيضا فسيأتي بيان أن الأمور الثلاثة كلية في الشريعة لا تختص على الجملة وإن تنزلت إلى الجزئيات فعلى وجه كلي وإن خصت بعضا فعلى نظر الكلي كما أنها إن كانت كلية فليدخل تحتها الجزئيات فالنظر الكلي فيها منزل للجزئيات وتنزله للجزئيات لا يخرم كونه كليا وهذا المعنى إذا ثبت دل على كمال النظام في التشريع وكمال النظام فيه يأبى أن ينخرم ما وضع له وهو المصالح
المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية